Beirut weather 14.1 ° C
تاريخ النشر March 9, 2026
A A A
للذين يريدون انتصار «إسرائيل» على إيران؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

 

قام بعض صنّاع الرأي العام الخليجي للأزمة الراهنة بتحميل إيران مسؤولية خلق مناخ عدائي يستوجب وقوف الخليج ضد إيران ولو تسبّب ذلك بانتصار أميركا و”إسرائيل”، وبنى هؤلاء نظريتهم على ثلاثة أركان: الركن الأول هو ما يُسمّونه ما فعلته إيران ووكلاؤها بحق دول وشعوب المنطقة في لبنان والعراق وسورية واليمن، ويقصدون حرب اليمن والسعودية وحرب سورية وأزمة العراق الداخلية الطائفية؛ والثاني دور دول الخليج في الوساطة لمنع الحرب واعتبار استهداف إيران لهذه الدول وهي لم تشارك بالحرب عملاً عدائياً، أما الركن الثالث فيقوم على اعتقاد بأن خطر إيران أكبر من خطر “إسرائيل” والتخلص من الخطر الإيراني يستحق المجازفة بتمكين “إسرائيل” من الانتصار بدعم أميركي؟

 

هذا المنطق الخليجي الذي يبرر الوقوف مع أميركا و”إسرائيل” ضد إيران يقوم على قلب التسلسل التاريخي للأحداث. فهو يتصرّف كما لو أن العدائية بدأت من طهران، ثم اضطرت دول الخليج إلى التسلّح والتحالف وفتح القواعد والانخراط في الأحلاف. بينما السردية التاريخية الأوسع تقول العكس، حيث بدأت العدائية مع انخراط الخليج في الحرب العراقية على إيران، سياسياً ومالياً وإعلامياً، وإنفاق 60 مليار دولار عليها، ثم استدعاء الحماية الأميركية بعد تحرير الكويت، ثم بلغ الانخراط في الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 بوصفه عملية لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة حيث إيران العدو المشترك.

 

أما القول إن إيران و”وكلاءها” هم من زرعوا العداء في لبنان والعراق وسورية واليمن، فيتجاهل السؤال الأصل: من بدأ مشروع المواجهة الشاملة؟ فإذا كانت إيران قد بنت نفوذها عبر حلفاء، فإن هذا البناء جاء في بيئة صراع مفتوح مع أميركا و”إسرائيل” سعت خلاله إيران وحلفاؤها إلى تجنب الاشتباك مع دول الخليج، وبدأت العدائية الخليجية بوجه أنصار الله مبكراً بحملات الرئيس السابق علي عبد الله صالح ضدّهم بدعم سعودي مباشر في حروب صعدة، ونظرية إسقاط الرئيس بشار الأسد يحقق التوازن الذي اختلّ بسقوط الرئيس صدام حسين هي نظرية خليجية منذ عام 2003، كما كشفتها مذكرات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، ومثلما كشفت حرب تموز 2006 إسراع حكام الخليج على تمنّي الفشل للمقاومة وفق نظرية “المغامرين الذين يجب أن يدفعوا ثمن مغامراتهم”، تكشف اجتماعات شرم الشيخ عام 2007 أن ضرب حزب الله وحركة حماس كان أولوية خليجية أميركية إسرائيلية تفجرت في مواجهة حماس والسلطة الفلسطينية في غزة بعد شهر على قمة شرم الشيخ، وكلها أحداث كبرى سبقت حروب الداخل اللبناني والسوري واليمني والعراقي.

 

أما الركن الثاني، أي الادعاء بأن دول الخليج لم تشارك في الحرب بل سعت إلى الوساطة، وأن استهدافها لذلك عمل عدائيّ غير مبرر، فهو يقوم على تجاهل حقيقة البنية العسكرية القائمة في الخليج منذ عقود. حيث القواعد الأميركية لم تُبنَ للسياحة، ولا جاءت للاستثمار الزراعي، ولا وُضعت راداراتها ومنظوماتها الجوية والبحرية لغاية رمزية. هذه القواعد هي بنية حرب وردع ومراقبة، وجوهر وظيفتها منذ الثمانينيات هو احتواء إيران والتفوق عليها وخوض الحرب ضدها متى تقرّر ذلك. من حرب الناقلات، إلى تحرير الكويت، إلى حصار العراق، إلى غزوه، إلى شبكات الدفاع الجوّي والإنذار المبكر، نحن أمام منظومة عدائية متصلة لا أمام حياد. ويكفي للتدليل على ذلك أن الرادارات الأميركية المنتشرة في الخليج تشكل عملياً خط الإنذار الأول لحماية “إسرائيل” من إيران، وأن الأردن، بوصفه الامتداد الوظيفيّ لهذه المنظومة، يؤدي دوراً محورياً في اعتراض ما يصل إلى المجال الحيويّ الإسرائيلي من صواريخ ومسيّرات. فكيف يمكن لدولة ترى القواعد والرادارات والممرّات الجوية والبحرية تُستخدم في حماية خصمها المباشر، ثم يُطلب منها أن تعتبر أصحاب هذه البنية وسطاء محايدين؟ الوساطة الحقيقيّة لا تُمارَس من داخل غرفة العمليات التابعة لأحد طرفي الحرب.

 

ويبقى الركن الثالث، وهو أخطرها جميعاً: القول إن خطر إيران أكبر من خطر “إسرائيل”، وإن التخلص من إيران يبرر المجازفة بانتصار أميركا و”إسرائيل”. هذا منطق قصير النظر استراتيجياً، لأنه يفترض أن “إسرائيل” يمكن أن تكون شريكاً قابلاً للاحتواء، أو أن انتصارها سيقف عند حدود إضعاف إيران. لكن تجربة المنطقة تقول العكس. “إسرائيل” لا تكافئ من يهادنها، بل تستثمر ضعفه. وما جرى بعد سقوط الدولة السورية السابقة مثال صارخ: الفوضى التي ساهمت قوى عربية وتركية وأميركية في صناعتها جرى توظيفها أميركياً لمصلحة “إسرائيل”، لا لمصلحة العرب. و”إسرائيل” لم تخف يوماً أنها تفكر جغرافياً واستراتيجياً بمنطق التوسع والهيمنة، ولا تميّز في ذلك بين مَن يعاديها ومَن يصادقها إذا وجدت فراغاً يسمح لها بالتقدم. من أرض الصومال إلى البحر الأحمر إلى حضرموت، ومن أمن الممرات إلى خرائط “إسرائيل الكبرى”، نحن أمام مشروع لا يعترف بالحدود إلا مؤقتاً، ولا يحترم الاعتدال إلا بقدر ما يتحوّل إلى خضوع.

 

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل لإيران نفوذ يثير القلق؟ بل: أي سيناريو أخطر على الخليج والعرب؟ إذا انتصرت إيران فليس لديها مقوّمات الهيمنة على المنطقة بوجود أميركا من جهة، والتوازن المذهبي لغير صالحها من جهة ثانية، وإن خرجت إيران من الحرب صامدة، حتى من دون انتصار ساحق، فإن الحد الأقصى نتيجة لذلك هو بقاء قوة إقليمية قادرة على صنع توازن مع “إسرائيل”، وعندها يبقى للعرب موقع “بيضة القبان” في معادلة المنطقة، يستطيعون المناورة بين القوى والتأثير في الاتجاهات. أما إذا انتصرت أميركا و”إسرائيل” في كسر إيران أو إسقاطها، فلن يكون العرب شركاء في نظام إقليمي جديد، بل مجرد هامش تابع فيه. عندها سيتكرّر، على نطاق أوسع وأخطر، مشهد ما بعد إسقاط بغداد ثم ما بعد تخريب سورية: تنتج اليد العربية أو التركية الوقائع، ثم تأتي أميركا لتجير الثمرة لـ”إسرائيل”. والفارق أن سقوط إيران، إذا وقع، لن يفتح الطريق إلى سلام عربي أو استقرار خليجي، بل إلى شرق أوسط تكون فيه إسرائيل السيد المباشر، ويصبح العرب فيه خدماً عند بوابة أمنها ومصالحها. لهذا فإن هذا المنطق لا يحمي الخليج من الخطر، بل يدعوه إلى الانتحار خوفاً من جرح.

 

جوهر المشكلة يكمن في وهمٍ عربي نشأ منذ عقود مفاده أن الخليج يستطيع بناء نموذج رفاهية واستقرار عبر تحييد نفسه عن عمقه العربي وقضاياه الكبرى، والانضمام إلى المظلة الأمنية الأميركية. غير أن التجربة أثبتت أن هذه العلاقة ليست شراكة متكافئة بقدر ما هي ارتباط بمنظومة أمن هدفها الأول حماية مصالح واشنطن وأمن “إسرائيل”، بينما يبقى أمن الخليج تابعاً لهذه الأولويات لا محوراً لها. ومع نشوء وهم موازٍ يقوم على أن الابتعاد عن القضية الفلسطينية أو التقارب مع “إسرائيل” يمكن أن يخفف التوترات الإقليمية، أصبح الصراع مع إيران يُقدَّم بديلاً عن الصراع مع “إسرائيل”. لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا لو أعاد الخليج النظر في هذه المعادلة، فخفّض اعتماده على القواعد الأميركية وعاد إلى فلسفة الملك فيصل حول الصراع مع “إسرائيل” ودعم القضية الفلسطينية؟