Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر May 5, 2026
A A A
لغة الحرب تتصاعد.. هل يتعلم اللبنانيون من أخطاء الماضي؟

كتبت حسناء سعادة:

يقول الكاتب والروائي الساخر مارك توين: “التاريخ لا يعيد نفسه، ولكنه غالباً ما يتشابه”.

بالفعل ثمة مبالغة في القول إن التاريخ “يعيد نفسه” لكنه غالباً ما يتشابه في الأنماط والنتائج بسبب طبيعة البشر التي لا تتعلم من اخطائها او اخطاء من سبقوها.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، انما ثمة اشارات يعطيها من خلال تكرار او تشابه الظروف والمعطيات.

ما نشهده اليوم على الشاشات وعبر وسائل التواصل الاجتماعي يحمل بعضاً من لغة الحرب سواء عبر تصاعد الخطاب الطائفي، او سهولة التخوين، او استسهال المس بالرموز الدينية وكأنها أوراق في لعبة سياسية مفتوحة تتركز حول من بامكانه رفع السقف اكثر.

لبنان الذي عاش جحيم الحرب الأهلية اللبنانية لا يحتاج إلى من يذكره كيف تبدأ الحروب، فهي لا تنفجر فجأة، بل تتسلل تدريجياً عبر كلمة مستفزة هنا، الى تحريض هناك، وصولاً الى اصطفافات حادة، ثم خطوط تماس رسمتها النفوس قبل أن ترسمها الجغرافيا.

عشية الحرب ظن كثيرون أن الأمور لن تصل إلى حد الانفجار وان الوعي سيلجمها، لكنها وصلت وصار ما صار، والكل دفع الثمن ولا نزال ندفع ثمن تبعاتها.

اليوم، المشهد لا يزال مختلفاً في الشكل، لكنه يلامس الخطر في المضمون، فحين تستهدف الرموز الدينية، لا يقصد شخص بعينه بقدر ما يستفز جمهور كامل، وحين تختزل الهويات الوطنية بانتماءات لمحاور خارجية، يصبح الداخل ساحة، لا وطناً، أما حين يستخدم التحريض كوسيلة شعبوية، فهو لا يحصد إلا مزيداً من الخوف من الاخر والحقد والكراهية، وهي الوقود الأسرع لأي نزاع.

يقول البعض ان لا قلق على البلد طالما هناك الوعي وهناك من لا يريد الانجرار الى الحرب لكن على الرغم من ذلك فان القلق مشروع لان ما نشهده لا يبشر بالخير.

أجيال عديدة عاشت الصراعات والحروب في لبنان واجيال اخرى سمعت قصصها وشكرت ربها انها ما عاشت ويلاتها ومآسيها.

هل يعي اليوم تجار الحروب ان الانهيار الذي يعيشه البلد يجعل كلفة أي صدام داخلي أعلى بكثير من قدرة الناس على الاحتمال؟ وهل يعلم من يدوزن ابواق الفتنة ان الحرب حين تندلع لا تستثني احداً وان السير على حافة الهاوية قد يعرض صاحبه في اي لحظة للانزلاق؟.

الخطر الحقيقي ليس في الاختلاف، فهو صحي احياناً، انما في طريقة إدارة هذا الاختلاف، فإذا بقي ضمن حدود السياسة، يمكن احتواؤه، أما إذا انزلق إلى الشارع، متسلحاً بالغضب والطائفية، فإننا قد نشهد عودة لتاريخ لا احد منا يتمنى تكراره.

لبنان لا يحتاج إلى من يعيد أخطاء الماضي، بل إلى من يتعلم منها، فإما أن نحمي ما تبقى من هذا الوطن، أو نتركه ينجرف مرة أخرى نحو المجهول.