Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر January 29, 2026
A A A
لبنان والدنمارك
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

الدنمارك بقياس الدول الأوروبية والغربية يعتبر دولة صغيرة وضعيفة، بمساحة تعادل أربع مرات مساحة لبنان وعدد سكان قريب من عدد سكان لبنان، وتعيش الدنمارك في مستوى عالٍ من الإنفاق للفرد، وتمتلك نسبة عالية من حملة الشهادات، وهي بلد مسالم يبتعد عن المشاكل ولا يسعى إليها، وهي تتعرّض لضغوط وتهديدات أميركية عنوانها سعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لانتزاع جزيرة غرينلاند من السيادة الدنماركية، ويرفع التحدي إلى مستويات تهديد وجودي للدنمارك، ومقارنة المقدرات الدنماركية بالمقدرات الأميركية لا توصل لغير الدعوة للاستسلام، لكن الدنمارك لا تتحدث عن الاستسلام، وهي بالطبع لا تتوهم أن الاتحاد الأوروبي الذي عجز عن حماية أوكرانيا قادر على توفير الحماية للدنمارك، ولن يقدم أكثر من موقف سياسي مساند لحق الدنمارك في السيادة على غرينلاند.

تعرف القيادة الدنماركية أنه إذا قررت واشنطن السيطرة عسكرياً على غرينلاند فلن يحتاج الأمر إلا القرار الأميركي ولن يكون بمستطاع الدنمارك فعل شيء لمنع احتلال الجزيرة، وتعرف أنه إذا قرّرت واشنطن فرض الرسوم الجمركية والعقوبات على الدنمارك فإن ذلك يحتاج الى قرار لا أكثر، وعلى الدنمارك أن تستعد لدفع الثمن من مستوى معيشة سكانها وازدهار اقتصادها، لكن القيادة الدنماركية تتصرف وفق معادلة قوامها التسليم بالعجز عن خوض الحرب، ولا أحد هناك يدعو للحرب، لكن لا أحد يدعو للاستسلام تحت شعار موازين القوى والمتغيرات الدولية والإقليمية والتفاوض خيار استراتيجي، يتحدثون عن التمسك بالحق فقط، ورفض التوقيع، ويقولون من دون توقيعنا سوف يبقى كل احتلال منقوص الشرعية وسوف تتغير الأحوال يوماً ما نستعيد بقوة شرعية الحق ما سلب منا باستخدام توحّش القوة.

في لبنان يحتلّ الإسرائيلي أرضاً في الجنوب ويرفض تطبيق موجباته في اتفاق تمّ توقيعه قبل عام وعدة شهور، ويرفض تنفيذ القرار 1701 الذي يشكل المرجعية القانونية لاتفاق وقف إطلاق النار، ويلقى دعماً أميركياً في تنكره للاتفاق الذي رعته واشنطن وضمنت للبنان تنفيذ “إسرائيل” موجباتها فيه، وبينما تمتنع المقاومة عن الردّ على الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، ولا تطالب الدولة بالرد رغم ما يشرعه اتفاق وقف إطلاق النار من حق الدفاع، بينما تقوم القيادة السياسية للدولة باختراع الحديث عن فرضية الحرب للقول إنها خيار مدمّر، رغم أن لا أحد يطرحه في التداول، لكنها تصرّ على مناقشته كفرضية للقول إن البديل التفاوضي هو الحل، ولا أحد ينكر عليها خيار التفاوض، لكنها تصل إلى بيت القصيد، وعنوانه المتغيرات الدولية والإقليمية وموازين القوى للقول إنه لا بد من الواقعية السياسية، والواقعية هنا لا تضمر إلا القبول بتقديم تنازلات يعرف الجميع أنها تخلٍّ عن حقوق سيادية، تحت شعار منطقة عازلة ومنطقة اقتصادية، والحجة هي هل نستطيع معارضة أميركا ونختار العزلة؟

السؤال البديهي هو لماذا يفترض من هم في الحكم والقيادة بين العرب عموماً وغالباً، أن الخيارات محدودة في القضايا المصيرية للأوطان بين الحرب والاستسلام، ولماذا لا يؤمنون بأن هذه القضايا تحتمل التوريث من جيل إلى جيل دون حلها، إذا كان الحل المتاح يعني توريث الأجيال القادمة ذلاً وطنياً وتخلياً عن حقوق سيادية لا يملكها جيل بعينه ولا قيادة بعينها؟ ولماذا يخاطر شعب يعيش بهدوء وسلام ويتنعم بمستويات متقدمة من الرفاهية، بكل هذه المكتسبات ويقرر الصمود ويتحمل دفع ضريبة الصمود، لأنه يؤمن بحقه ويتمسك بكرامته، وهو لن يغامر بخوض حرب لكنه يكتفي بأنه لن يوقع؟ ولماذا لا يكون موقف القيادة اللبنانية مماثلاً، ولماذا لا يكون الخطاب اللبناني، قائماً على معادلة الحق والقانون دون فذلكات الواقعية السياسية والمتغيرات الدولية والإقليمية وموازين القوى، ويكتفي بالقول لدينا قرار دولي نلتزم به بحذافيره، واتفاق وقف إطلاق نار نفذنا موجباته علينا، وإذا كان علينا أن نورّث للأجيال القادمة أحد اثنين، أزمة معلقة دون حل، أو حل منقوص السيادة فيه ذل وعار؟ فمن الأفضل ان نختار الأزمة المعلقة دون حل، وفي كل حال لن نوقع ولن نمنح الشرعية للاحتلال بتسميات جديدة مقنعة، مثل المناطق الاقتصادية والمناطق العازلة؟

نسأل الذين يزعجهم مثال فيتنام وهانوي، هل ترغبون بأن تنحازوا إلى نموذج بلد زبدة لورباك التي تحبّونها، فما رأيكم دام عزكم بنموذج كوبنهاغن صاحبة شعار بدنا نعيش؟ لكن العيش بكرامة!