Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر May 5, 2026
A A A
لبنان مساحة للتعدد لا للإقصاء وللحوار لا للإملاء
الكاتب: بيار بعقليني - موقع المرده

إنّ تصريح السفير الأميركي في لبنان السيد ميشال عيسى، الصادر من على منبر وطني روحي بحجم بكركي، يثير جملة من التساؤلات السياسية والدبلوماسية، لما ينطوي عليه من دلالات تمسّ جوهر الحياة الديمقراطية في لبنان، القائمة على التعددية واحترام الرأي الآخر، لا على إقصائه أو الإيحاء بنفيه.
فالدعوة إلى أن “يبحث من يخالف عن مكان آخر للعيش” لا تنسجم مع أبسط القيم اللبنانية والإنسانية والديمقراطية، بل توحي بمقاربة إقصائية الغائية تتعارض مع تقاليد لبنان القائمة على التنوع والشراكة، وهي مقاربة تعيد إلى الأذهان خطابات سادت في مراحل سابقة، حيث كان الاختلاف يُواجَه بالتهميش بدل احتوائه ضمن الأطر الوطنية الجامعة.
من هذا المنطلق، يُعدّ هذا الموقف تدخّلًا غير مبرّر في شأن داخلي لبناني لبناني، إذ إن الخلافات، مهما بلغت حدّتها، تبقى ضمن الإطار السيادي الذي يملكه اللبنانيون وحدهم، وهم الأقدر على إدارته تحت سقف القانون وعبر مؤسساتهم الدستورية ومسارات الحوار الوطني، بعيدًا عن أي وصاية أو توجيه خارجي.
إننا اذ نؤكد رفضنا واستنكارنا لأي تعرّض أو إساءة تطال مقام البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، نرفض بالمقابل وبالمطلق أي تهجّم على أي مرجعية دينية، مسيحية كانت أم إسلامية، لما لهذه المقامات من رمزية وطنية جامعة ودور أساسي في حماية السلم الأهلي وتعزيز ثقافة الاعتدال.
إنّ بكركي، بما تمثّله من تاريخ ودور، هي مرجعية راشدة في خياراتها الوطنية، وليست بحاجة إلى مرشد أو توجيه من أي جهة كانت، وقد أثبتت عبر مسيرتها التزامها نهج الاعتدال والانفتاح، وسيرها على خطى رسالة السيد المسيح في التسامح والمغفرة، “سبعين مرة سبع مرات”، لا سيما حين يكون الأمر متصلًا بصون السلم الأهلي والحفاظ على وحدة لبنان أرضًا وشعبًا.
إن خطورة مثل هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في ما قد تفضي إليه من تأجيج للانقسامات الداخلية أو استثارة لردود فعل متشنجة، في بلد يعاني أصلًا من دقة توازناته ، ومن هنا، فإن المسؤولية الدبلوماسية تقتضي اعتماد خطاب يساهم في التهدئة وترسيخ الاستقرار، لا في تعميق الشرخ أو عزل أي مكوّن لبناني، كما يطرح هذا السياق تساؤلات مشروعة حول دور بعض المنابر الإعلامية والسياسية التي تنزلق أحيانًا نحو خطاب تحريضي، بدل الإسهام في تعزيز ثقافة الحوار والتلاقي، فلبنان، بتاريخه وتركيبته، لا يحتمل مشاريع فرز أو دفع نحو مزيد من التباعد بين أبنائه.
إنّ احترام السيادة اللبنانية لا يقتصر على عدم التدخل المباشر، بل يشمل أيضًا الامتناع عن إطلاق مواقف قد تُفهم كإملاءات أو وصاية على النقاشات الداخلية. وعليه، فإن معالجة مثل هذه المواقف ينبغي أن تتم عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، بما يصون كرامة اللبنانيين ويكرّس علاقات قائمة على الاحترام المتبادل.
في الخلاصة، يبقى لبنان مساحة للتعدد لا للإقصاء، وللحوار لا للإملاء، وأي مقاربة مغايرة، أياً كان مصدرها، لا تخدم استقراره ولا تنسجم مع طبيعة نظامه الديمقراطي القائم على الشراكة.