Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر April 10, 2026
A A A
لبنان متروك للعدوان بلا مفاعيل على الأرض للحراك الدبلوماسي
الكاتب: غاصب المختار

كتب غاصب المختار في اللواء 

أظهرت وقائع الأيام الأخيرة ان لبنان بات متروكاً لقدره الذي يتحكّم به الكيان الإسرائيلي وبدعم أميركي واضح وبقرار سياسي واعٍ، فلا اتفاق أميركا وإيران لوقف الحرب مؤقتاً يسري عليه عملياً حتى لو كان واردا على الورق أو شفهياً، ولا دول العالم التي تعلن ليل نهار تضامنها مع لبنان قادرة على لجم العدوانية الأميركية – الإسرائيلية المبالغ فيها، الى درجة أثارت استغراب واستياء بعض المحللين العسكريين الإسرائيليين أنفسهم. فإغتيال مسؤول في حزب الله أو ضرب منشأة عسكرية للحزب في أي منطقة، لا يحتاج الى هذا الكم من الغارات العنيفة التدميرية على الأبنية والمنشآت المدنية وتدميرها فوق رؤوس ساكنيها من الأبرياء.

 

كما أظهرت الوقائع ان الضغط الإسرائيلي على الدولة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله لم يؤدِّ غرضه، لأن قرار الحرب والسلم ليس بيده ولا يستطيع أن يحققه، فقرار الحرب والسلم أولاً وأخيراً هو بيد إسرائيل وأميركا، لذلك لم تظهر نتيجة لخطاب كيان الاحتلال التضليلي والكاذب برمي المسؤولية على الدولة اللبنانية، فنيّة العدوان قائمة منذ سنوات طويلة، والحجج التي يسوقها الاحتلال لتبرير عدوانه غير منطقية، وكل الهدف هو الضغط السياسي بالنار على لبنان لتطويعه سياسيا كما تم تطويع سوريا.

 

فتدمير مبانٍ مدنية معروفة بعدم وجود أسلحة وصواريخ فيها في بيروت لا معنى له سوى إلحاق الأذى الكبير، وزيادة حجم الدمار وبالتالي زيادة الأعباء المادية والنفسية ورفع وتيرة العصبيات السياسية والطائفية والمناطقية وخلق فتن متنقلة بين اللبنانيين، تماما كما حصل في استهداف المبنى في عين سعادة.

أما الخطاب السياسي الرسمي اللبناني عن قبول التفاوض المباشر ولو برعاية دولية للتوصل الى توافقات أمنية، فقد ظهر ان لا قيمة له على الأرض سوى استجداء الدعم الدولي البلا طائل لوقف العدوان، وبسبب المشروع الأميركي – الإسرائيلي الموضوع للبنان والمنفصل عن أوضاع دول المنطقة الأخرى، وهو ما ظهر أمس في مواقف الرئيس الأميركي ترامب ورئيس حكومة كيان الاحتلال نتنياهو. ولو كان المسعى الدولي كافياً ويحمل أوراق الضغط الكافية والقوة التنفيذية لما تمادى الكيان الإسرائيلي بعدوانه منذ سنة ونصف السنة، ولما تمادت الإدارة الأميركية في منح العدوان شرعية مطلقة بحجة الخلاص من حزب الله، بينما العين الأميركية على أهداف سياسية واقتصادية أخرى أبعد مدى تتماهى مع أهداف الاحتلال، وعنوانها الأساسي تغيير وجه وخريطة الشرق الأوسط سياسياً وديموغرافياً واستنزافه اقتصاديا ليصبح بمثابة مستودع بضائع وحديقة خلفية اقتصادية احتياطية للشركات الأميركية والإسرائيلية الكبرى، يلبّي احتياجات الأميركي والإسرائيلي بما يتلاءم مع الأهداف المرسومة للشرق الأوسط لإستنزافه.

 

والمشكلة الأكبر تكمن في الاستسلام العربي والدولي الكامل لهذا المشروع، والعجز عن مواجهته مع انه يضرّ بالدول العربية والأوروبية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وهو بالأخص يضرّ بروسيا والصين والدول المتحالفة معهما، وهي الهدف الدولي الأبعد لمعارك ترامب، عدا الهدف الأقرب وهو وضع اليد الأميركية براحة على مقدرات النفط في إيران ودول الخليج وبعض الدول الأخرى المنتجة للنفط كما حصل في فنزويلا.

ولا شك ان دخول حزب الله في المعركة الى جانب إيران ترك تأثيرات سلبية كبيرة على المشروع الأميركي – الإسرائيلي، ولو ان دخوله الحرب ترك آثاراً وخسائر كبيرة وأثار انقساماً لبنانيا ليس بجديد، مع انه الآن أكثر حدّة ومخاطره تؤثر على الوضع العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمعيشي، لكن الحرب الأميركية – الإسرائيلية تركت أيضاً تأثيرات كبيرة مماثلة على دول المنطقة كلها، بما فيها الكيان الإسرائيلي الذي تفيد جردة حساب أجرتها وسائل إعلام عبرية انها كانت كبيرة جدا بشرياً واقتصادياً.

 

وهنا تبقى الأسئلة الواقعية المطروحة: كيف سيخرج لبنان من دائرة الاستهداف الإسرائيلي – الأميركي، هل بمزيد من السعي وراء سراب اسمه التفاوض الدبلوماسي؟ أم بمزيد من الاتكال على الدعم الدولي الذي ظهرت نتائجه الفاشلة بعد التنصّل الأميركي من ممارسة الضغط على الاحتلال لوقف حروبه على دول المنطقة؟ أم بإمتلاك أوراق قوة أخرى منها ورقة المقاومة، والانسحاب من الحركة الدبلوماسية التي أثبتت انها عاجزة عن تحقيق الهدف المرجو بوقف العدوان، طالما ان الاحتلال الإسرائيلي لا يتعاطى بجدية ونيّة صافية بالتوصل الى حل دبلوماسي وتلبية أبسط المطالب اللبنانية ويملك الضوء الأخضر الأميركي؟

كلها أسئلة مشروعة مطروحة أمام الدولة اللبنانية ولا جواب عليها حتى الآن سوى التمسّك بالحركة الدبلوماسية.. فإلى متى؟