Beirut weather 28.54 ° C
تاريخ النشر April 15, 2026
A A A
لبنان في مفاوضات واشنطن: “الأيتام على مائدة اللئام”
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

عُقدت “جلسة الصورة” في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن بين لبنان ممثَّلًا بالسفيرة ندى حمادة معوض والعدو الإسرائيلي ممثَّلًا بالسفير يحيئيل ليتر والذي “كما هي عادته مارس غطرسة دبلوماسية” تعكس عنجهيته، بالتأكيد على عدم قبول طلب لبنان وقف إطلاق النار، وأن المفاوضات في حال جرت ستترافق مع استمرار الاعتداءات.

لعل أكثر ما ينطبق على الجلسة التمهيدية اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية داعمة ومحتضنة للكيان الغاصب، هو القول العربي المأثور: “الأيتام على طاولة اللئام”، وذلك نتيجة الاختلال الكبير في موازين القوى وغياب كامل لعناصر القوة والضغط لدى الجانب اللبناني.

هذا القول المأثور، الذي يعكس حالة الضعف حين يُفرض على طرف أعزل الجلوس إلى طاولة تفاوض يهيمن عليها الأقوياء، يجد تجسيده في مشهد سياسي واضح المعالم لجهة دخول لبنان الرسمي إلى المفاوضات مثقلًا بأزماته الداخلية، منهكًا اقتصاديًا، منقسمًا سياسيًا وعاجزًا عسكريًا، فيما يدخل الإسرائيلي مدججًا بالقوة العسكرية والدعم الدولي ولا سيما الراعي الأميركي.

بدا واضحًا أن لبنان الذي كسر قانون مقاطعة إسرائيل مجانًا، لم يكن لديه ما يقدمه سوى مطلب بديهي إنساني هو وقف إطلاق النار، وعودة النازحين إلى قراهم، وهو يعكس الحد الأدنى من التطلعات اللبنانية، لكن في ميزان السياسة الدولية يُعدّ “لزوم ما لا يلزم” ما لم يترافق بأوراق ضغط، بل هو يكشف حجم العجز وانعدام الحيلة في تفاوض من هذا النوع.

تزامن تسجيل الطلب اللبناني في محضر الجلسة، مع قيام إسرائيل بدكّ قرى وبلدات الجنوب بوابل من الصواريخ، ومحاولاتها الرامية للدخول إلى مدينة بنت جبيل التي تشهد مواجهات ملحمية نجح خلالها رجال المقاومة في إلحاق خسائر جسيمة بصفوف الجنود والآليات الصهاينة، وبعد انتهاء الجلسة استمر العدو في وتيرة التصعيد وصولًا إلى ارتكابه مجزرة جديدة في بلدة جباع قضاء النبطية أدت إلى استشهاد أربعة أشخاص من عائلة واحدة.

وهذا إن دلّ، فإنما يدل على أن إسرائيل تطرح التفاوض مع لبنان على قاعدة الاستسلام والرضوخ للشروط الصهيونية وفي تشريع هذه الاعتداءات، وفق ما جاء على لسان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن “السلام مع لبنان سيمنحنا الشرعية لتفكيك حزب الله”.

الأخطر في هذا السياق كان الدور الأميركي، حيث سعى وزير الخارجية ماركو روبيو، وفق ما تسرب من مجريات الجلسة، إلى إعادة صياغة إطار النزاع بطريقة تضع الحكومة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع حزب الله. هذا الطرح لم يكن مجرد اقتراح سياسي، بل محاولة لإعادة تعريف أميركي للأولويات اللبنانية، والإيحاء بأن هناك هدفًا مشتركًا بين لبنان وإسرائيل يتمثل في القضاء على المقاومة.

وفي هذا الإطار، تجاهل الطرح الأميركي التعقيدات البنيوية للمشهد اللبناني، حيث لا يمكن اختزال الدولة في موقف موحد تجاه حزب الله، ولا يمكن أيضًا القفز فوق التوازنات الداخلية الدقيقة والحساسيات السياسية والطائفية والمذهبية، الأمر الذي يضع لبنان في موقع أكثر هشاشة، إذ يبدو وكأنه مطالب بتقديم تنازلات داخلية مقابل وعود خارجية غير مضمونة.

هنا تتجلى صورة “الأيتام” بوضوح: وفد لبناني بلا أوراق ضغط حقيقية، يجلس على طاولة يحدد شروطها الإسرائيلي والأميركي، لا قوة عسكرية يستخدمها كورقة تفاوض، ولا غطاء دولي صلب، ولا حتى وحدة داخلية تعزز موقفه.

في المقابل، تتجلى صورة “اللئام” وهم أولئك الذين يستثمرون في هذا الضعف، سواء عبر فرض شروط قاسية، أو عبر إعادة توجيه الصراع بما يخدم مصالحهم الاستراتيجية، أو دفع السلطة اللبنانية الضعيفة إلى فتنة داخلية قد تكون أخطر بكثير من العدوان الإسرائيلي.

لا شك في أن التفاوض اللبناني الإسرائيلي تحت النار، يُجسّد استراتيجية تهدف إلى كسر إرادة الطرف الأضعف ودفعه إلى القبول بما لم يكن ليقبله في ظروف طبيعية، فضلا عن تجنيد الحكومة اللبنانية لخدمة المصالح الصهيونية.

“جلسة الصورة” قدمت معادلة قاسية، مفادها أنه عندما يغيب التوازن تتحول المفاوضات من أداة لحل النزاعات إلى وسيلة لفرض الإملاءات.

وهكذا، يُصبح القول المأثور توصيفًا حيًا للواقع، حيث يُترك الأيتام في السياسة وفي الدعم الدولي لمصيرهم على موائد اللئام التي لا ترحم الضعفاء.