كتب ناصر قنديل في “البناء”
رغم كل المخاطر التي تحملها الاعتداءات الإسرائيلية والأضرار التي تتسبّب بها، والخسائر الجسيمة التي تخلّفها، فإن الخطر الأكبر على لبنان كان يأتي من مكان آخر، حيث شكل المناخ الناجم عن شعور لبنانيّ عام بتراجع كبير في قوة المقاومة، وترويج واسع النطاق لنظريّة هزيمتها، ولا جدوى سلاحها، أساساً لولادة رهان خطير على الدفع بنهوض مشروع لتسريع ملء فراغات السلطة، خصوصاً على مستوى رئاسة الجمهورية، بشخصيّة تحظى بالثقة الشعبية ويرى فيها الخارج الدولي والعربي، وخصوصاً الأميركي والسعودي فرصة للتخلص من المقاومة. ولم يكن خافياً أن رئاسة العماد جوزف عون جاءت في هذا السياق، ولم يلبث الذين دفعوا بهذا الاتجاه أن سارعوا للدفع باسم نواف سلام لرئاسة الحكومة تعبيراً عن عدم الثقة الكافية بانضباط العماد جوزف عون بمنهج الحصار المطلوب حول المقاومة، رغم رفعه لشعار حصرية السلاح بيد الدولة.
عملياً كان قائد الجيش يعلم قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية، كل ما يلزم ليرسم خطته الرئاسية، فقد كان يعلم أن المقاومة تلقت ضربة قاسية، ولكنها لم تهزم ولم تنكسر وأنها تملك القدرة على النهوض وترميم صفوفها، وكان يعلم أن التفاوض الذي جرى على وقف النار قد حصل من المقاومة على أعلى تنازلات يمكنها تقديمها، سواء بموافقتها على التخلي عن ربط القرار 1701 انسحاب المقاومة من جنوب الليطاني بإنجاز الانسحاب الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأزرق ووقف الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانيّة براً وبحراً وجواً، والقبول بتقديم هذا الانسحاب على الانسحاب الإسرائيلي والتسليم بأن تسلّم الجيش جنوب الليطاني يضع الاحتلال في مواجهة الدولة بدلاً من المقاومة، ما يشكل اختباراً عملياً لرهان لبناني يؤمن به أغلب الذين لا يؤمنون بالمقاومة، وهو الرهان على أن أميركا وهي ترى صديقاً موثوقاً لها رئيساً للجمهورية في لبنان، سوف تلزم “إسرائيل” بتنفيذ موجباتها، بعدما نفذت المقاومة ما عليها استباقاً، وكان قائد الجيش يعلم قبل أن يصبح رئيساً أن لا مجال للتفكير بحل تصادمي في قضية سلاح المقاومة، لأن ذلك عبث يخرب البلد والجيش ويحقق للإسرائيلي ما يريد عبر دفع لبنان إلى الفوضى.
بنى الرئيس خطته على خوض معركة النجاح في جنوب الليطاني، ومطالبة الأميركيين بدعم خطته لتحقيق هذا النجاح بعدما حصل على التسهيل المطلوب من المقاومة لتحقيق النجاح، واعتبر أن المرحلة الثانية بعد هذا النجاح هي التفاوض لإنهاء أمر النقاط الحدوديّة العالقة وصولاً إلى خط الهدنة وحسم أمر مزارع شبعا، والسير ببدء النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية، حيث تكون الدولة بعد إنجازاتها بدعم أميركيّ قادرة على مخاطبة المقاومة، بجدوى الخيار الدبلوماسي وفعاليّته، كلما سلّمت المقاومة أوراقها للدولة.
اللعبة الخطرة كانت بابتزاز الأميركيّين لرئيس الجمهورية بتعطيل فرص نجاح عهده، عبر تعطيل خطته جنوب الليطاني، ورفع سقف المطالب نحو طرح مستقبل سلاح المقاومة كشرط لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء احتلال مناطق لبنانيّة ضمن الخط الأزرق، والقول للرئيس عملياً أن مستقبل عهده يتوقف على قبول الدخول في مواجهة مع المقاومة من جهة، وقبول الانتقال إلى تفاوض سياسي مع الاحتلال من جهة مقابلة، وقد كانت غارات أمس، على بيروت من بوابة ضاحيتها الجنوبية وما رافقها من كلام أميركي واضح ذروة الضغوط، وجاء ردّ رئيس الجمهورية من باريس بعد تأكيدات مشابهة في حوارات إعلاميّة، بمثابة الحسم السياسي النهائي، فقال الرئيس، إن سيطرة الجيش لا تُقاس بانطلاق صواريخ، ومعلوم أن الجيش الإسرائيلي فشل في منع إطلاق الصواريخ من غزة وهو يسيطر عليها طيلة سنة وبضعة شهور، والمقاومة نفّذت ما عليها جنوب الليطاني والتعطيل للاتفاق والقرار الأممي تتحمله “إسرائيل” وحدها، والاعتداء على لبنان يضع الوسطاء والضامنين خصوصاً أميركا وفرنسا أمام مسؤوليّاتهم لتنفيذ الاتفاق والقرار، وإن لبنان لن يكون ضمن أي تفاوض سياسي الآن، خصوصاً قبل انسحاب الاحتلال ووقف اعتداءاته ومصير السلاح يبحث في حوار وطني حول استراتيجية دفاعية، والأولوية تبقى انسحاب الاحتلال.
بعد مواقف رئيس الجمهورية الواضحة، خرجت مواقف لرئيس الحكومة أقل وضوحاً، لكنها لا تخرج عن السياق نفسه، وفقدت بذلك خطة الضغط الإسرائيلي بالنار والمواكبة الأميركية سياسياً، فرص النجاح لأن الإيقاع بين الدولة والمقاومة لم ينجح، ولأن وطنيّة رئيس الجمهورية وحكمة المقاومة وعقلانيّة رئيس الحكومة، عناصر قوة لبنانيّة، لا يلغي قيمتها، وجود قلة قليلة تحاول الالتصاق برئيس الجمهورية وتحويله متراساً لإطلاق النار على المقاومة وتحميلها مسؤولية الاعتداءات وبقاء الاحتلال، كما يفعل وزير الخارجية، وصولاً إلى مطالبة المقاومة بنزع سلاحها.