Beirut weather 26.88 ° C
تاريخ النشر April 15, 2026
A A A
لبنان بين وهم “نهاية التاريخ” وواقعية الفاتيكان: من يوحنا بولس الثاني إلى قراءة اليوم
الكاتب: المحامي طنوس فرنجيه - موقع المرده

لم يكن السينودس الخاص بلبنان عام 1995 حدثًا كنسيًا عابرًا، بل كان في جوهره محاولة لقراءة لحظة دولية اعتُقد أنها تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار العالمي. في تلك اللحظة، بدا أن العالم قد خرج من عباءة الثنائية القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأن الشرق الأوسط مقبل على إعادة ترتيب توازناته تحت مظلة نظام دولي تقوده قوة واحدة.
في قلب هذه الرؤية وقف البابا يوحنا بولس الثاني، الذي لم يخفِ قناعته بأن سقوط الشيوعية يفتح الباب أمام انتصار الحرية الدينية، وربما – في قراءة أكثر تفاؤلًا – أمام إعادة تثبيت الحضور المسيحي في الشرق، لا سيما في لبنان الذي وصفه بـ”الرسالة”. لكن ما لم يُحسب بدقة يومها، هو أن سقوط توازن دولي لا يعني ولادة توازن جديد، بل قد يفتح الباب أمام فوضى مغطاة بشعارات الاستقرار.

وهم اللحظة الدولية
في تسعينيات القرن الماضي، بدا وكأن العالم يسير نحو “نهاية التاريخ”، حيث:
​•​تراجعت الأيديولوجيات الكبرى
​•​تصدّرت الولايات المتحدة المشهد
​•​واعتُبر أن الحروب الكبرى قد طُويت صفحتها

ضمن هذا المناخ، جاء سينودس لبنان كرهان على:
​•​إعادة تثبيت الكيان اللبناني بعد الحرب
​•​حماية التعددية
​•​تعزيز دور المسيحيين كشركاء في الشرق لا كأقليات قلقة

غير أن هذا الرهان ارتكز – ولو ضمنيًا – على فرضية أن النظام الدولي الجديد سيكون ضامنًا للاستقرار، وهي الفرضية التي سرعان ما تهاوت.

من التفاؤل إلى المراجعة
تكشف قراءة لاحقة لمواقف البابا يوحنا بولس الثاني أنه أدرك تدريجيًا أن:
​•​الأحادية الدولية لا تعني العدالة
​•​والتدخلات العسكرية، كما في حرب العراق لاحقًا، لم تؤسس لاستقرار بل لفوضى ممتدة
​•​وأن الوجود المسيحي في الشرق لم يُحمَ، بل دخل في مرحلة أكثر هشاشة
هنا، لا نتحدث عن “خطأ سياسي” بقدر ما نتحدث عن تفاؤل تاريخي اصطدم بوقائع الجغرافيا السياسية.
الفاتيكان: مؤسسة تتعلّم
ما يميّز الفاتيكان ليس فقط مواقفه، بل قدرته على تراكم الخبرة التاريخية. فهو لا يتعامل مع الأحداث كوقائع منفصلة، بل كسلسلة مترابطة من التجارب التي تُختبر وتُراجع.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تطور الموقف الفاتيكاني اليوم – بما يُنسب إلى مقاربة “لاوون الرابع عشر” – كامتداد لهذه الذاكرة المؤسسية، حيث:
​•​لم يعد هناك رهان ساذج على التحولات الدولية الكبرى
​•​بل حذر واضح من أي “إعادة تشكيل” للمنطقة تحت عناوين براقة
​•​وتركيز على حماية الوجود المسيحي عبر الاستقرار الداخلي لا عبر رهانات الخارج
من لبنان الرسالة إلى لبنان الساحة
المفارقة القاسية أن لبنان الذي أُريد له أن يكون “رسالة” بعد السينودس، تحوّل مجددًا إلى:
​•​ساحة صراع إقليمي
​•​رهينة توازنات دولية
​•​نموذجًا لهشاشة الكيانات في غياب الضمانات الفعلية
وهنا، تبدو قراءة الفاتيكان اليوم أكثر واقعية:
​•​لا حماية لأي مكوّن دون دولة فعلية
​•​ولا دور لأي رسالة دون استقرار سياسي
​•​ولا معنى لأي دعم دولي إذا لم يُترجم بسيادة حقيقية

خلاصة حادة
إذا كان البابا يوحنا بولس الثاني قد راهن في لحظة تاريخية على عالم ما بعد الحرب الباردة، فإن الفاتيكان اليوم يبدو أقل اندفاعًا وأكثر تشككًا. لقد تعلّم أن:
​•​سقوط الإمبراطوريات لا يحمي الكيانات الصغيرة
​•​والحروب “التصحيحية” لا تصنع توازنًا
​•​وأن الشرق الأوسط لا يُقرأ بنظريات، بل بوقائع القوة والتاريخ

لبنان، في هذا السياق، لم يعد مجرد قضية كنسية أو دبلوماسية، بل اختبار دائم:
هل يمكن لكيان تعددي أن يعيش في منطقة تُعاد صياغتها بالنار؟
سؤال لم يُجب عليه سينودس 1995، ولا تزال الإجابة عنه تُكتب حتى اليوم… وربما بدم أكثر مما كُتب بالحبر.