Beirut weather 21.32 ° C
تاريخ النشر March 19, 2026
A A A
لبنان بين «قنبلتَين»: النازحون ومحاولة توريط سوريا!
الكاتب: جوزف القصيفي

كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة في الجمهورية 

 

لم تعُد اللعبة في أيدي المسؤولين اللبنانيِّين. ربط لبنان بالحرب الدائرة في الإقليم في مواجهة كاسرة بين الثنائي الأميركي- الإسرائيلي وإيران. الضحايا أصبحت أرقاماً تطالعنا بها عدادات وكالات الأنباء والهيئات الصحية التابعة للدولة والصليب الأحمر، بالإضافة إلى هيئات مدنية أخرى.

 

الاتصالات لم تتوقف. الخارج يتحدّث مع الداخل. السفراء يكثفون زياراتهم على خط بعبدا، عين التينة، السراي الحكومي، ولا اتفاق نهائياً على وفد لبناني. ما من شخصية شيعية تقبل بالإنضمام إلى الوفد الذي تعتزم الحكومة تشكيله للتفاوض مع إسرائيل في فرنسا أو قبرص، إلّا إذا لم تتحصّن بتأييد حركة أمل و«حزب الله»، أو على الأقل الحركة. والرئيس نبيه بري هو أكثر الشيعة حماسة لعدم ضمّ أي شيعي إلى الوفد قبل تحقيق شرط رئيس: وقف إطلاق النار، وقف العمليات العدائية التي تشنّها إسرائيل على لبنان: جنوباً، بقاعاً، ضاحيةً وعاصمة. وكذلك العودة إلى مضمون وقف إطلاق النار الصادر في 27 تشرين الثاني 2024.

 

 

 

لم يفلح الفرنسيّون، والرئيس إيمانويل ماكرون تحديداً في إقناع الرئيس بري بتليين موقفه. وإسرائيل لا تعبأ. وفي حساباتها أنّ مضاعفة ضرباتها، والإمعان في قصف الناس وتشريدهم وهدم بيوتهم، ومواصلة قصف مواقع «حزب الله»، لا بدّ من أن تحمل الأخير على الاستسلام والإذعان لشروطها. وفي انتظار تطوُّر المواجهات، سيتحدَّد الكثير من الأمور على أرض الميدان، والتي ستكون لها بطبيعة الحال ارتدادات وانعكاسات يصعب التكهُّن راهناً بمآلاتها.

 

انطلاقاً من ذلك، لا يمكن القول سوى أنّ المشهد العام لا يغشاه إلّا الدخان الأسود، وتتصاعد منه ألسنة النار، وتبقى المأساة قائمة في ما يتعلّق بالنازحين.

 

 

 

أولاً: لامس عدد النازحين في مراكز الإيواء والبيوت والشقق خارج مناطق الاستهداف الإسرائيلي المليون شخص. وهذا رتّب أعباء على دولة غير مهيّأة لاستيعاب نتائج ضربة إسرائيلية بهذا الحجم والاتساع. وقد أوجدت تل أبيب حالاً من الخوف في المجتمعات المضيفة، بتهديدها أنّ لا خطوط حمراء لاستهدافاتها أينما كان.

 

 

 

ثانياً: بطء المجتمع الدولي والهيئات الأممية، في إرسال المساعدات ومواد الإغاثة إلى لبنان، ولاسيما من الدول الغربية، والأوروبية في طليعتها، بسبب ما تتلقّاه من ضغوط وتواجهه من عوائق خصوصاً من الدولة العبرية، وبموافقة أميركية بالطبع، لظنّها بأنّ التشريد والتجويع سيؤلّبان بيئة «حزب الله» عليه. مع الإشارة إلى أنّ مثل هذه الأساليب جُرِّبت سابقاً ولم تُعطِ النتائج المتوخاة.

 

 

 

ثالثاً: إنّ الدول العربية، وخصوصاً الخليجية منها التي تتعرّض لهجمات من إيران تطاول مرافقها ومنشآتها المدنية والاقتصادية، التي كانت تبادر إلى مدّ يد العون والإغاثة في أزمنة عصيبة، غير قادرة حالياً على القيام بأي خطوة تجاه لبنان. وهي منشغلة في التصدّي لاستهداف الجمهورية الإسلامية لها.

 

 

 

رابعاً: إنّ إسرائيل تُمعِن بل تتعمّد إيذاء مَن تبقّى من اللبنانيِّين في منازلهم بالجنوب والضاحية، ودفعهم إلى مناطق أخرى، ليشكّلوا قنبلة موقوتة لا تعتّم أن تنفجر عند أي امتحان مع مضيفيهم، وتكون نتيجة الانفجار صدام أهلي. ويكفي أن نذكّر في هذا المجال، أنّ هناك ما يقارب الثمانية آلاف عائلة أربابها ضباط، رتباء وجنود في الجيش اللبناني. وهذا يقود إلى السؤال الآتي: كيف يمكن الطلب من أفراد الجيش اللبناني مواجهة «حزب الله»، فيما عائلاتهم مشرّدة ومهجّرة؟ أو أي حالة شعبية تغزوها مشاعر النقمة؟

 

 

 

في الرابع عشر من آذار 2005 طُلِب من قائد الجيش، وكان يومها العماد ميشال سليمان، بعدم وصول المتظاهرين إلى ساحة الشهداء، لكنّه لم يمتثل لإرادة الحكومة يومذاك، ولم يشأ مواجهة هؤلاء، رافضاً استخدام العنف، فكان ما كان من أمر هذه التظاهرة التي شكّلت مفترقاً مفصلياً في مسار الحياة السياسية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

 

 

 

إنّ لبنان اليوم ينوء بنيران إسرائيل الكاوية، ويتلقّى قصفها المدمِّر، وذلك في ظل انسداد الأفق في وجه أي حل أو مبادرة، إلّا إذا حصل خرق في الاتصالات الدولية والإقليمية، وأُخِذ باقتراحات الرئيس نبيه بري، فتبدأ المفاوضات وفق القواعد التي يجب أن تسير فيها، انطلاقاً من وقف إطلاق النار ووقف الإعتداءات العسكرية على لبنان وسيادته، واتكاء إلى تصوُّر الرئيس عون الذي يركّز على هدنة طويلة تستبق الأفكار المتصلة بالمرحلة المقبلة.

 

 

 

الكلمة الآن للميدان، وسط ضبابية تلفّ المشهد، وكلام عن سعي إسرائيلي لتوريط سوريا في لبنان، والتدخّل فيه بمباركة أميركية. على قاعدة أنّه سبق لـ«حزب الله» أن تدخّل في سوريا، وكان طرفاً إلى جانب النظام في مواجهة الثورة عليه، فلماذا لا تردّ له دمشق الصاع صاعَين؟ لكن لا شيء يشي حتى الآن بإمكان حصول مثل هذا «السيناريو». وإنّ المعطيات المتوافرة حتى الآن، لا تدلّ إلى أي توجّه من هذا القبيل إلّا في التقارير والتحليلات الإعلامية. لا يزال لبنان في زمن آلامه على طريق الجلجلة.