Beirut weather 19.1 ° C
تاريخ النشر March 17, 2026
A A A
لبنان بين الأمن والسيادة.. أي تفاوض ممكن؟!..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

 

تتصاعد حدّة النقاش الداخلي حول احتمال دخول لبنان في مسار تفاوضي مع إسرائيل، في ظل عدوان صهيوني مفتوح وتصعيد كبير على الحدود الجنوبية، وفي الإقليم نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

 

يأتي هذا النقاش بعد عقود من المواجهة المفتوحة التي لم تنجح خلالها إسرائيل في تحقيق أهداف أساسية أعلنتها مرارًا، وفي مقدمتها إنهاء دور المقاومة أو نزع سلاح حزب الله، سواء خلال عدوان تموز 2006 أو في جولات التصعيد اللاحقة وصولًا إلى عدوان أيلول 2024.

 

 

في هذا الإطار، برزت مواقف رسمية لبنانية لا سيما من رئيس الحكومة نواف سلام، تشير إلى الاستعداد للبحث في صيغ تفاوضية مختلفة، وهو ما أعاد طرح أسئلة حول طبيعة هذا المسار المحتمل: هل يأتي نتيجة الخوف من العدوان وتوسعه ليطال أهدافا مدنية، أم أنه بفعل تحولات ميدانية فرضت واقعًا جديدًا، أم في إطار ضغوط أميركية مستمرة تدعم الكيان إعادة تنظيم الوضع الأمني على الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية؟

 

 

 

خلال العام الفائت، بالغت جهات سياسية لبنانية بتوقعاتها عن أن قدرات المقاومة العسكرية تراجعت بشكل كبير وأنها لم تعد تمتلك القدرة على المواجهة وأن نجمها يتجه إلى الأفول، خصوصًا بعد انسحابها من مناطق جنوب الليطاني وتسليم مواقعها وأنفاقها للجيش اللبناني.

 

غير أن التطورات اللاحقة مع بداية شهر آذار أظهرت حضورا عسكريا ميدانيا فاجأ الجميع، سواء من خلال المواجهات الحدودية العنيفة، أو رصد الإنزالات الاسرائيلية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه شمال فلسطين المحتلة، ما أعاد النقاش حول طبيعة التوازنات العسكرية القائمة وحدود تأثيرها في أي عملية تفاوضية محتملة.

 

 

 

 

ورغم الحديث المتزايد عن مبادرات تفاوضية دولية، تشير المعطيات المتوافرة إلى أن هذه المبادرات ما تزال في إطار الأفكار الأولية والطروحات المبدئية، ولم ترتق بعد إلى إطار تفاوضي واضح المعالم أو متوافق عليه لبنانيا ودوليًا، فضلا عن إعلان إسرائيل رفضها المطلق لأي مفاوضات بما في ذلك المبادرة التي قدمها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون وفق بنود محددة، واضعة شروط يمكن القول إنها تعجيزية، ما يجعل المشهد مفتوحًا امام احتمالات متعددة.

 

 

 

في هذا المناخ المتوتر، تُطرح تساؤلات حول هذه الشروط التي يريد العدو أن تسبق أية مفاوضات، في ظل تسريبات عن أنه يطلب اعترافاً لبنانياً بالكيان الصهيوني ونزع سلاح حزب الله بالكامل ونشر الجيش في الجنوب إضافة إلى ترتيبات أمنية واتفاقات إقتصادية، الأمر الذي أثار عاصفة من النقاشات الداخلية حول حدود هذه الشروط ومدى تأثيرها على مفهوم السيادة ودور المؤسسات الرسمية، وفي حال إلتزم بها لبنان، فعلى ماذا يفاوض؟.

 

 

 

 

كما تُطرح احتمالات أخرى، تتعلق بمستقبل الوضع الأمني في الجنوب، مثل إصرار إسرائيل على المنطقة العازلة لربطها بجنوب سوريا لتأمين الحماية لمستوطنات الشمال، وعلى أن تتمتع بحرية الحركة العسكرية في الأجواء اللبنانية ضد كل ما تعتبره تهديدا لأمنها، وهي مطالب ربما يكون لبنان مجبراً على القبول بها في حال إرتضى أن يذهب إلى المفاوضات من دون أن يكون في يده أية أوراق قوة أو حتى أي دعم دولي.

 

يمكن القول، إن نجاح أي عملية تفاوضية يبقى مرتبطًا بقدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، والحفاظ على السيادة الوطنية والمصلحة اللبنانية من جهة أخرى. وبين هذين البعدين، ستتحدد طبيعة المرحلة المقبلة، كما ستُقاس خيارات السلطة اللبنانية ومدى قدرتها على إدارة واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ البلاد.