Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر April 11, 2026
A A A
لبنان أمام مفترق طرق: تفاوض تحت النار أم وقف للاعتداءات؟..
الكاتب: غسان ريفي - سفير الشمال

بات واضحا، أن العدو الإسرائيلي يسعى إلى فرض مسار تفاوضي قسري على لبنان تحت وطأة اعتداءاته ونيرانه، في ظل محاولات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حفظ ماء وجهه أمام المجتمع الإسرائيلي بعد فشله في الحرب على إيران واستبعاده من الهدنة ومن مفاوضات باكستان، وانتزاع مكاسب سياسية وأمنية لم يستطع جيشه تحقيقها في الميدان، وأبرزها نزع سلاح حزب الله الذي اعترف وزير الدفاع يسرائيل كاتس بعدم قدرة إسرائيل على تحقيق ذلك.

 

 

 

الرسالة الإسرائيلية التي أراد العدو توجيهها بعد اعلان نتنياهو القبول بالتفاوض ومن خلال استهداف السراي الحكومي في النبطية، ما أدى الى استشهاد 13 عنصرا من أمن الدولة، لا يمكن فصلها عن هذا السياق الضاغط.

فما حصل لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل عملًا إجراميًا ذا أبعاد سياسية واضحة، مفادها: أن إسرائيل مستعدة لتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل كل مؤسسات ومرافق الدولة اللبنانية إذا لم تخضع للعناوين التي وضعها نتنياهو للتفاوض من نزع السلاح الى بناء “علاقات سليمة”، ويطرح العنوان الأخير علامات إستفهام، خصوصا أن ما تريده إسرائيل في ظل هذه الممارسات هو الرضوخ والاستسلام وتشريع احتلالها وعدوانيتها، ودفع الحكومة اللبنانية الى مواجهة المقاومة نيابة عنها.

 

 

 

وقد بدأ الإعلام الإسرائيلي يتحدث على لسان مسؤولين صهاينة، أن هدف المفاوضات هو زج الجيش اللبناني في مواجهة المقاومة، وصولا الى الفتنة التي تساعد إسرائيل على تحقيق المخططات التي ترسمها للمرحلة المقبلة.

 

 

 

في غضون ذلك، يستمر الضغط الإيراني من أجل وقف إطلاق النار في لبنان، حيث تلوّح الجمهورية الإسلامية بتعليق المفاوضات واستمرار إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي قد يعيد تفجير الأوضاع في المنطقة، وهذا الإصرار الإيراني يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي اختبر الصلابة الإيرانية أمام خيار وحيد هو دفع نتنياهو الى وقف الإعتداءات على لبنان.

 

 

 

 

أما على المستوى الرسمي اللبناني، فتبدو الرهانات مركّزة على الجهود الداخلية والمساعي الأوروبية، لا سيما الفرنسية والبريطانية، للدفع نحو وقف إطلاق النار.

 

غير أن هذه المقاربة تعاني من محدودية واضحة، إذ إن أي ضغط فعلي يتطلب امتلاك أدوات تأثير حقيقية، وهو ما يفتقر إليه لبنان الرسمي حاليًا، سواء منفردًا أو عبر حلفائه، خصوصا أن إسرائيل سبق وضربت وما تزال تضرب كل الجهود والوساطات غير الأميركية بعرض الحائط والأدلة على ذلك كثيرة منذ السابع من أكتوبر.

 

 

 

في موازاة ذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي اللبناني، إذ إن أي تفاوض ناجح يتطلب أولًا توافقًا وطنيًا واسعًا، يضمن تمثيل مختلف المكونات الطائفية في الوفد المفاوض، ويحول دون استغلال إسرائيل للانقسامات الداخلية، إضافة الى وضع جدول أعمال واضح يستند إلى أولويات وطنية جامعة، تشمل عودة النازحين، إعادة الإعمار، وقف الاغتيالات، إطلاق الأسرى والانسحاب من الأراضي المحتلة.

بعد أن كسر لبنان أمس قرار مقاطعة إسرائيل بالإتصال الذي أجرته سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض بسفير إسرائيل يحيئيل ليتر تمهيدا للجلسة التي يُفترض أن تُعقد يوم الثلاثاء المقبل، تقف البلاد أمام مفترق طرق، فإما الانزلاق إلى مسار تفاوضي مفروض تحت الضغط الناري، بما يحمله من مخاطر على سيادته وكرامته الوطنية ووحدته الداخلية وسلمه الأهلي، أو التمسك بخيار وقف اطلاق النار أولًا، والابتعاد عن الإرتجال وتنفيذ الأجندات، والتوجه نحو اعادة بناء موقف وطني موحّد قادر على خوض أي مفاوضات من موقع أكثر قوة وتوازنًا.

 

كما أن التجارب السابقة تؤكد أن أي تسوية أو نتائج مفاوضات تُفرض في ظل الاختلال الكبير في موازين القوى، لا تؤدي إلا إلى انتاج أزمات وتوترات جديدة، وربما إلى ولادة أشكال متعددة من المقاومة، قد تعيد الأمور الى المربع الأول.