Beirut weather 15.21 ° C
تاريخ النشر March 6, 2026
A A A
لبنان أمام امتحان البقاء: يصمد باتحادنا ويسقط بانقسامنا فعسانا لا نندم
الكاتب: الوزير القاضي محمد المرتضى - الجمهورية

 

 

أيّها اللبنانيون، حين يداهم وطننا خطرٌ وجودي، يصبح السؤال الأهم: هل نحن، الدولة والشعب بكلّ مكوّناته، قادرون على التماسك والتصرّف كجسمٍ واحدٍ في مواجهة التحدّي، أم سنظلُّ منقسمين بينما الخارج يضع قواعد اللعبة؟

 

الخطر الإسرائيلي اليوم ليس مجرّد تهديدٍ عسكريٍّ محدود، بل يترافقُ مع مطامع معلنة قديمة جرى التأكيد عليها مؤخّراً من قِبل نتنياهو والسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي وحتى من قِبل يائير لابيد زعيم المعارضة الإسرائيلية، تشمل فرض رؤية سياسية وجغرافية توسعية منطلقها توراتي، لتوسيع أراضي دولة الاحتلال على حساب دول في الجوار منها لبنان، الذي تراه إسرائيل قد أصبح مساحةً سهلة القضم بفعل ضعفٍ تفترض أنّه قد لحق بمقدّرات المقاومة فضلاً عن حالة إنقسامٍ سياسي قائمة فيه تزيده هزالةً وضعفاً.

لكلّ إنسانٍ الحقّ في إنتقاد عملية إطلاق الصواريخ، وأن يطرح علامات استفهام حول توقيتها، فهذا حقٌّ ويمثّل أيضاً جزءاً من واجب المساءلة، لكن عليه في الوقت نفسه واجبٌ تجاه نفسه وتجاه وطنه، يفرض عليه أن لا «يختنق» في هذه المسألة التي لا ترقى بجسامتها، في أيّ حالٍ من الأحوال، إلى التهديد الأكبر المتمثّل بذلك المشروع التوسّعي المعلن. كما لا يجوز لأحدٍ أن يتغافل عن حقيقةٍ مفادها أنّه قبل عملية الإطلاق تلك، حشد العدو زهاء مئة ألف جندي لاجتياح الجنوب، أي أنّ التحضير لعملية الإجتياح كان جارياً وسيحصل سواء جرى إطلاق الصواريخ أم لم يجرِ، ولم يكن ليمنعه لا موقف رسميٌّ داخلي أو أحدٌ ما في هذه الدنيا الخاضعة برمّتها للمشيئة الصهيونية إلّا من رحِم ربي.

واقعنا اليوم كلبنانيِّين يفرض علينا، ونحن في عين الإعصار، أن نستحضر ذلك الشعار القائل: «متّحدون نصمد، منقسمون نسقط» (United we stand, divided we fall)، وأن نستعيد درساً من التاريخ يحدّثنا عن رفض الخليفة الأموي معاوية عرضاً من الإمبراطور الروماني تقديم المساعدة له في نزاعه مع الإمام علي، وهذا الدرس يعلّمنا أنّ الخلاف الداخلي يُدار من الداخل، ولا يجب أن يُستثمر من الخارج. لبنان اليوم أمام نفس الاختبار، وهذا ما يفرض على الدولة والشعب أن يعملا وفق الآتي: إدارة الخلافات داخلياً، الحرص على أن تبقى المساءلة والاختلاف في إطار لا يمسّ بالدولة أو بالسلم الأهلي، والعمل معاً لمواجهة العدوان الإسرائيلي وإجهاض مطامعه.

أيّ تهديدٍ خارجي – عسكري أو سياسي أو اقتصادي – يضع لبنان أمام امتحان مزدوج: القدرة على الردع والصمود، والقدرة على حماية الجبهة الداخلية من الانقسام. فإذا فشل الداخل في الامتحان الثاني، لم يعُد الأوّل ممكناً، مهما بلغت قدرات الردع. فالتهديد لا يبحث عن القوّة العسكرية فقط، بل عن أي ثغرة في السياسة الداخلية، وأخطرها الانقسام والصراعات الفئوية.

وفي هذا السياق، من واجب اللبنانيِّين جميعاً، دولةً وشعباً، تجنيب الجيش أيّ تجاذب داخلي، فهو رمز السيادة الوطنيّة وقوة الردع، ويجب أن يبقى بعيداً عن الانقسامات السياسية والمناكفات الفئوية. أي استخدام للجيش لتصفية خلافٍ داخلي سيضعفه ويُضعف الدولة ويقوّي يد العدو، لذلك على الجميع الحرص على أن يبقى الجيش موحّداً ومتفرّغاً لحماية الوطن والمواطنين، بعيداً عن التجاذبات والمناكفات وتصفية الحسابات.

المرجعيات الروحية تتحمّل مسؤولية تعزيز التماسك الوطني، ونشر الرسالة الأخلاقية والوطنية التي توحّد الشعب بدل أن تفرّقه. فهي قادرة على تذكير الجميع بأنّ الوطن أمانة، وأنّ الخلاف السياسي لا يجب أن يتحوّل إلى فتنة. أمّا الحكومة ورئيسها، فهي المكلّفة بإدارة السياسات التي تحفظ الاستقرار والوحدة الوطنية وتسمح بمواجهة التهديد. ورئيس الجمهورية، الذي يتوسّد المقام الذي يُعبّر عن الوحدة، عليه واجب إدارة الخلاف وتحديد خطوط حمراء واضحة لكل الأطراف السياسية، ليضمن أنّ أيّ خلافٍ داخلي لا يتحوّل إلى شرخ يمكن للعدو استغلاله.

الاختلاف مشروع، والمساءلة واجب كما قلنا، لكن يجب أن يُمارَسا ضمن خطابٍ مسؤول، يوازن بين النقد الوطني وحماية المصلحة العليا. إسرائيل، كأيّ خصم استراتيجي، تعرف كيف تستثمر الانقسامات، أمّا لبنان، إذا توحّد، فيرسل رسالةً واضحة: لن تكون هناك ثغرة يمكن استغلالها، ولن يُسمح للعدو بتجزئة الجبهة الوطنية.

والأهم، الخطر لا يتهدّد حزباً أو مكوّناً بعينه، ومَن يظن ذلك واهم ومشتبه، فالتهديد يطال الكيان اللبناني بأسره بصيغته وفرادته. وإذا خسرنا لبنان، فإنّ الخسارة ستعمّ الجميع، وعندها سنبكي دماً على وطنٍ نعمة أسهمنا في زواله بفعل غرائزنا وانفعالياتنا وأنانياتنا.

لبنان اليوم بحاجة إلى إرادة وطنية جامعة، وتوافق واقعي أدنى، يحمي السلم الأهلي ويحصّن المؤسسات، ويضمن قدرة الدولة والشعب بكل مكوّناته على مواجهة التهديد الخارجي. فحين يستقيم الداخل، ويؤدّي كل طرفٍ مسؤوليّته – المرجعيات الروحية بالتوجيه الأخلاقي، والحكومة ورئيسها بالإدارة الرشيدة، ورئيس الجمهورية بالقيادة العليا – يمكن التصرّف بثقة في مواجهة الخارج. أمّا إذا بقي الداخل ساحة تجاذب مفتوحة، فإنّ أي خطر، مهما كان حجمه، يتضاعف أثره، لا لقوّته وحدها، بل لضعفنا في مواجهته.

حمى الله لبنان، وألهمنا كلبنانيِّين أن نعمل معاً لحفظ وطننا، عسانا لا نندم حين لا ينفع الندم