Beirut weather 14.65 ° C
تاريخ النشر April 9, 2026
A A A
لا وطن نهائي بلا دولة: لبنان بين فرادة التكوين وضرورة السيادة
الكاتب: د. حسين محمود رمال

كتب د. حسين محمود رمال في “اللواء”:

ليس الوطن، في المفهوم القانوني والفلسفي، مجرد حيّز جغرافي أو تجمّع بشري عابر، بل هو كيان مركّب تتداخل فيه عناصر الأرض والشعب والسلطة في إطار قانوني سيادي جامع. ومن هنا، فإن القول بـ«الوطن النهائي» لا يستقيم إلا بوجود دولة مكتملة الأركان، قادرة على صون هذا الوطن وضمان استمراريته. ولبنان، بما يمثّله من فرادة إنسانية وتنوع ديني وثقافي، يقدّم نموذجًا خاصًا للوطن، لكنه في الوقت ذاته يطرح معضلة دائمة: هل يمكن أن يبقى وطنًا نهائيًا بلا دولة قوية؟ أم أن غياب الدولة يحوّله إلى ساحة مفتوحة تفقد معها الهوية والقرار؟
لقد عبّر الإمام موسى الصدر عن هذه الخصوصية اللبنانية حين رأى في لبنان «وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه»، لا بوصفه تسوية ظرفية، بل باعتباره تجسيدًا لوحدة إنسانية عميقة، حيث يلتقي التنوع في إطار الانتماء الواحد. غير أن هذا التصور، في جوهره، يفترض وجود دولة تحمي هذا التنوع وتمنع تحوّله إلى عامل تفكك.

أولًا: في تعريف الوطن والدولة وفق قواعد القانون الدولي

يُعرّف الفقه الدولي الدولة استنادًا إلى معايير استقرّت منذ اتفاقية مونتيفيديو (1933)، والتي حدّدت عناصر الدولة في: شعب دائم، إقليم محدد، سلطة سياسية، وقدرة على الدخول في علاقات دولية. وهذه العناصر ليست شكلية، بل جوهرية، إذ إن اختلال أحدها يُفقد الكيان صفته كدولة كاملة السيادة.
أما الوطن، فهو في بعده القانوني امتداد لهذه العناصر، لكنه يتجاوزها إلى البعد القيمي والرمزي، حيث تتجذر الهوية والانتماء. ومن هنا، فإن الوطن بلا دولة هو كيان ناقص الحماية، عرضة للاختراق والتفكك، بينما الدولة بلا وطن تتحوّل إلى جهاز سلطوي فاقد للشرعية.

ثانيًا: لبنان كفرادة إنسانية ووحدة في التنوع

يشكّل لبنان نموذجًا فريدًا في العالم، حيث يتجسد التنوع الديني والثقافي في صيغة عيش مشترك، لا نظير لها في كثير من التجارب الدولية. وقد اختصر الإمام موسى الصدر هذه الحقيقة بموقف رمزي بالغ الدلالة، حين دعا إلى النظر إلى الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو انتماء طائفي، في إشارة إلى أن الاختلاف لا يلغي الوحدة، بل يغنيها.
وفي هذا السياق، فإن التمييز الذي طرحه بين «الطائفية كنقمة» و«التنوع كنعمة» يضع أساسًا فلسفيًا–قانونيًا لفهم الوطن اللبناني، حيث لا تكون الطوائف كيانات متناحرة، بل مكوّنات متكاملة ضمن إطار الدولة. وهذا الفهم يتناقض جذريًا مع أي نموذج عنصري أو إقصائي، كما هو الحال في الكيان الصهيوني اللا شرعي ، الذي يقوم على نفي الآخر لا استيعابه.

ثالثًا: الدولة كشرط لقيام الوطن النهائي

إن القول بلبنان وطنًا نهائيًا يفترض حتمًا وجود دولة حقيقية، لا دولة شكلية أو هشة. فالدولة، في مفهومها السيادي، هي التي تحتكر الشرعية، وتدير الشأن العام، وتحمي الإقليم من الاحتلال، وتصون المجتمع من الفساد. أما الدولة التي تعجز عن مواجهة الاعتداء، أو تتنازل عن سيادتها تحت ضغط الخارج، فهي تقوّض فكرة الوطن من أساسها.
وقد دعا الإمام موسى الصدر إلى قيام دولة بهذه المواصفات: دولة المؤسسات الدستورية، لا دولة المحاصصة؛ دولة السيادة، لا دولة الاستتباع؛ دولة العدالة، لا دولة الفساد. وهي دولة ترفض التوطين لما يمثّله من خطر وجودي على الكيان، وتتمسك بوحدتها في وجه كل مشاريع التقسيم.

رابعًا: بين فقدان الدولة وفقدان الوطن – الدرس الفلسطيني

تقدّم الحالة الفلسطينية مثالًا صارخًا على أن الوطن بلا دولة يصبح عرضة للضياع. ففلسطين، رغم رسوخ هويتها التاريخية، عانت من غياب الدولة السيادية، ما أدى إلى فقدان السيطرة على الأرض وتحوّل القضية إلى موضوع نزاع دولي مفتوح.
ومن هذا المنطلق، فإن لبنان، إن لم يتمسك بدولته كأولوية مطلقة، يواجه خطر الانزلاق إلى المسار ذاته. فالوطن لا يُصان بالشعارات، بل بالمؤسسات؛ ولا يُحمى بالنيات، بل بالسيادة الفعلية.

خامسًا: نحو حوار وطني يؤسّس لدولة مقدّسة بالمعنى المدني

إن المرحلة الراهنة تفرض إطلاق حوار وطني جاد، يكون في صلب أولوياته إعادة بناء الدولة على أسس صلبة. والمقصود بـ«تقديس الدولة» ليس منحها طابعًا دينيًا، بل ترسيخ مكانتها كقيمة عليا ضامنة للوطن، بحيث تصبح فوق المصالح الفئوية والاعتبارات الضيقة.
وفي هذا الإطار، لا بد من إعادة تصويب المفاهيم السائدة، وفي مقدمتها «الشعب والجيش والمقاومة» بوصفها ثلاثية منفصلة. فالدولة، في حقيقتها، كيان واحد جامع، لا يقبل التجزئة و أن ثلاثية الشعب و الجيش و المقاومة هي صيغة سياسية للتوافق و لكنها خطأ ثقافي تصيب وحدة الدولة في الركائز و الغايات . والمقاومة، إذا وجدت، يجب أن تكون في خدمة الدولة، لا بديلًا عنها ولا موازية لها، بل جزءًا من استراتيجيتها الدفاعية الشاملة دولة سيادة حقيقية لا شكلية تراعي دولة على حساب أخرى و يدفع لبنان ثمن المحاباة .
إن التكامل بين الدولة والمقاومة لا يعني ازدواجية القرار، بل وحدة المرجعية، حيث تكون الدولة هي الإطار الناظم لكل أشكال القوة. وفي ظل التهديدات التي يواجهها لبنان، فإن وجود مقاومة يصبح ضرورة حتمية ، لكن هذه الضرورة تفقد مشروعيتها إن لم تندرج ضمن مشروع الدولة.
إن لبنان، بما يحمله من رسالة إنسانية فريدة، لا يمكن أن يستمر وطنًا نهائيًا إلا إذا استند إلى دولة قوية، عادلة، ذات سيادة كاملة. فالوطن بلا دولة مهدد بالزوال، والدولة بلا سيادة فاقدة للمعنى. وبين هذين الحدّين، تتحدد مسؤولية اللبنانيين في إعادة بناء دولتهم، لا كخيار سياسي، بل كواجب وجودي.
إن تقديس الدولة، بمعناها المدني والقانوني، هو المدخل الوحيد لصون هذا الوطن، وحماية تنوعه، وضمان مستقبله. وبدون ذلك، يبقى لبنان معلقًا بين فكرة الوطن وواقع الساحة، يفقد تدريجيًا ما يجعله فريدًا في هذا العالم.

*باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي