Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر February 17, 2026
A A A
لا زيادات دون توازن بين الإنفاق والإيرادات!
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في “اللواء”

شكّلت الجلسة الماراتونية لمجلس الوزراء في قصر بعبدا محطة مفصلية في مقاربة ملف تصحيح رواتب وأجور العاملين في القطاع العام والعسكريين المتقاعدين. فبعد سنوات من التآكل الحاد في القدرة الشرائية، بات من البديهي أن تتحرك الحكومة لإنصاف هذه الفئات. غير أنّ التجربة اللبنانية، ولا سيما ما رافق إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، تُحتّم قراءة الإصلاح من زاوية مزدوجة: زيادة عادلة في الرواتب، مقابل إصلاح إداري حقيقي يرفع الإنتاجية ويعزّز إيرادات الخزينة.

صحيح أنّ تحسين الأجور ضرورة اجتماعية وأخلاقية، لكنه ليس إجراءً مالياً معزولاً. فالزيادات التي لا تقترن بإصلاح بنيوي تتحول سريعاً إلى عبء إضافي على المالية العامة، وتُموَّل إمّا بالاستدانة، أو بطباعة العملة. أو بفرض ضرائب عشوائية، ما يفتح الباب أمام عجز متفاقم، وتضخم يلتهم الزيادات نفسها. عندها يصبح المشهد شبيهاً بالمثل الشعبي: «وكأنك يا بدر لا رحنا ولا جينا».
المطلوب اليوم مقاربة مختلفة تقوم على ربط أي تصحيح للرواتب بخطة متكاملة لتحديث الإدارة العامة. فرفع الإنتاجية في القطاع العام ليس ترفاً، بل شرطاً لاستدامة أي زيادة. وهذا يبدأ بإعادة هيكلة الإدارات، واعتماد معايير واضحة لتقييم الأداء، وربط جزء من الحوافز بالإنجاز الفعلي، وتفعيل الرقابة والمساءلة. كما أن التحول الرقمي وتبسيط المعاملات من شأنهما خفض الهدر، وتقليص فرص الفساد، وتسريع دورة العمل، ما ينعكس نمواً في الإيرادات وتحسناً في ثقة المواطنين.
كما أن تفعيل الجباية العادلة، وضبط التهرب الضريبي والجمركي، وإقفال مزاريب الهدر في المؤسسات العامة، يمكن أن يوفّر موارد حقيقية تُغني عن اللجوء إلى سياسات ترقيعية. فالقطاع العام، إذا أُحسن تنظيمه، قادر على أن يكون رافعة للاقتصاد لا عبئاً عليه.
إن التحدي أمام الحكومة لا يكمن فقط في تأمين التمويل الآني للزيادات، بل في ضمان ألا تتحول إلى شرارة دورة جديدة من العجز والتضخم. فالمعادلة واضحة: رواتب أعلى مقابل إدارة أكثر كفاءة وإنتاجية. من دون ذلك، سنعيد إنتاج أزمات بوجوه مختلفة، وتتبخر نتائج الزيادات كما تبخرت سابقاتها، لندخل مجدداً في دوامة الإنفاق غير المجدي وتفاقم العجز، وما يستتبعه من أزمات معيشية.
مرة أخرى: أن أي تصحيح للأجور، مهما كانت وجاهته الاجتماعية، يجب أن يُبنى على قاعدة ذهبية في الإدارة المالية العامة: التوازن بين الإنفاق والإيرادات. فالمعادلة السليمة لا تقوم على الإنفاق أولاً ثم البحث عن التمويل، بل على رؤية متكاملة تضمن استدامة المالية العامة، وتجنّب البلاد الانزلاق مجدداً إلى دوامة العجز والتضخم.
الفرصة متاحة اليوم لوضع أسس تصحيح حقيقي ومستدام. فإما أن تكون الزيادات مدخلاً لإصلاح شامل يعيد للدولة فعاليتها وهيبتها، وإما أن تتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل الأزمات المالية المفتوحة.