Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر June 3, 2026
A A A
كيف انقلب السحر على الساحر وفرض محور المقاومة معادلات ردع جديدة؟

كتب حسن حردان 

دخلت المنطقة في الأيام القليلة الماضية مدار تحوّل استراتيجي بالغ الأهمية، تجلّى في بلوغ جولة “حافة الهاوية” ذروتها القصوى، قبل أن ترتدّ سريعاً بـ”فيتو” أميركي حاسم لجم اندفاعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأجبره “مكرهاً” على التراجع عن مخطط قصف الضاحية الجنوبية لبيروت وتوسيع رقعة التدمير. هذا التراجع المذلّ لم يكن مجرد حدث تكتيكي، بل شكّل صفعة من العيار الثقيل لخطط حكومة الاحتلال، وإعلاناً صريحاً عن انقلاب السحر على الساحر، بعدما تحوّلت محاولات الهروب الإسرائيلية إلى الأمام إلى محطة لتكريس معادلات ردع إقليمية صلبة فرضها محور المقاومة بكفاءة واقتدار.

 

أولاً: جدار الردع الممتدّ من بيروت إلى طهران

لم يعد خافياً أنّ موازين القوى في الشرق الأوسط تعاد صياغتها اليوم بقوة الميدان لا بالإملاءات الأميركية ـ الإسرائيلية. فالأزمة الأخيرة أثبتت ترابطاً عضويّاً وعسكرياً غير مسبوق بين جبهات محور المقاومة؛ حيث تحوّل التهديد الإسرائيلي لبيروت إلى صاعق تفجير شامل هدد به أطراف جبهة المقاومة:

من لبنان: الذي ثبّتت مقاومته بالدم والنار معادلة حماية عاصمته وعمقه.

إلى إيران: التي لوّحت بأوراقها السيادية الثقيلة فوق الممرات المائية الحيوية.

مروراً باليمن والعراق: اللذين شكّلا بأسراب مُسيّراتهما وصواريخهما جبهات إسناد واستنزاف متواصلة قيّدت حركة المناورة لدى الحلف الأميركي ـ الإسرائيلي، وجعلت من أيّ مغامرة كبرى وصفة لانتحار جماعي يهدّد مصالح واشنطن قبل تل أبيب.

 

ثانياً: فخ الهروب إلى الأمام… الصفعة المرتدّة،

واجه نتنياهو في الأسابيع الأخيرة مأزقاً عسكرياً خانقاً في جنوب لبنان؛ إذ عجز توغله البري عن تحقيق هدفه الاستراتيجي في السيطرة والتثبيت، ما أدّى إلى تعميق النزيف في صفوف ضباطه وجنوده، فاضطر جيش الاحتلال إلى سحب آلياته الثقيلة ودباباته من المحاور المتقدمة بعد أن تحوّلت إلى صيد سهل لصواريخ المقاومة الموجهة. تزامن ذلك مع فشل تكنولوجي ذريع في حماية الشمال الفلسطيني المحتلّ الذي بقيَ تحت رحمة الرشقات الصاروخية والمُسيّرات الانقضاضية رداً على القصف التدميري للمدن والبلدات الجنوبية.

أمام هذا الفشل الميداني العارم والاتهامات المتصاعدة له في الداخل الإسرائيلي بالعجز، حاول نتنياهو الهروب إلى الأمام؛ خطط لتفجير شامل يبدأ بسحق الضاحية الجنوبية لبيروت بهدف استدراج الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية واسعة تغطي على إخفاقاته وتظهره بمظهر “البطل القومي”. لكن السحر انقلب على الساحر؛ حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانجرار خلف هذا الفخ، ووضع كوابح صارمة أمام تل أبيب، مجبِراً نتنياهو على تراجع علني كرّس صورته في الداخل كـ”تابع عاجز” يتلقى الأوامر من البيت الأبيض، لتتحوّل مناورته إلى زلزال سياسي واحتدام للصراعات داخل ائتلافه ومعارضته.

 

ثالثاً: معادلة جديدة يفرضها محور المقاومة،

لم يأتِ الفيتو الأميركي مدفوعاً بـ”رغبة في السلام”، بل كان نتاج قراءة دقيقة ومذعورة لمعادلة الردع المركبة التي وضعها محور المقاومة على الطاولة، والتي تضمّنت ثلاثة كوابح استراتيجية:

استنزاف العمق الصهيوني: استمرار المقاومة في قصف الشمال الفلسطيني المحتلّ بوتيرة تصاعدية، واستعدادها لمواجهة أيّ تصعيد ضدّ بيروت بقصف تل أبيب ومدن المركز الصهيونية بالتوازي مع قصف إيران لشمال فلسطين بصواريخ قرط صوتية مقروناً بإنذار للمستوطنين بإخلاء الشمال.

سلاح الممرات البحرية: التهديد الإيراني الجدي والواضح بإغلاق مضيق هرمز وشلّ الحركة تماماً في باب المندب والبحر الأحمر عبر القدرات اليمنية، وهو ما يعني خنق الاقتصاد العالمي ورفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية لا يمكن لإدارة ترامب تحمّلها في مستهلّ عهدها الرئاسي.

وحدة الجبهات: تيقن واشنطن أنّ قصف الضاحية سيكون بمثابة ضوء أخضر لفتح مخازن الصواريخ الاستراتيجية على امتداد جغرافيا محور المقاومة (من طهران إلى بغداد وصنعاء وصولاً لبيروت) واستهداف القواعد الأميركية في المنطقة.

 

رابعاً: دلالات وخلاصات استراتيجية

إنّ تبريد المواجهة عند حافة الانفجار وإجبار نتنياهو على الانكفاء تمخض عن خلاصات جوهرية للمرحلة المقبلة:

انكسار أوهام الحسم: سقطت شعارات “النصر المطلق” الإسرائيلية بصورة نهائية على صخرة صمود ميدان الجنوب اللبناني، وثبت أنّ القوة التدميرية الغاشمة لها حدود تقف عندها عندما تصطدم بتوازن الرعب.

“إسرائيل” تحت الوصاية الكاملة: تأكد للرأي العام العبري أنّ قرار الحرب والسلم خرج من يد “الكابينيت” وبات محكوماً بالسقف الذي تحدّده واشنطن بناءً على مصالحها العليا، مما أحدث شرخاً واسعاً داخل النخبة السياسية الإسرائيلية التي باتت تتحدّث علناً عن تحوّل كيانها إلى “دمية” في يد الإدارة الأميركية.. وهو بالأصل كذلك.

شرعية صاغتها الصواريخ: إنّ حماية العاصمة اللبنانية وضاحيتها الأبية لم تكن منّة من أحد، بل انتُزعت بفضل ترابط وتكامل جبهات محور المقاومة، وبفعل القبضة المحكمة على المضائق البحرية التي مثّلت ذراعاً اقتصادية ضاربة لجمت قوى الاستعمار.

خلاصة القول: لقد أفضت هذه الجولة المفصلية إلى حقيقة ثابتة: لم يعد بمقدور “إسرائيل”، ومن خلفها أميركا، الاستفراد بجبهة دون أخرى من جبهات المقاومة، أو فرض شروط إذعان سياسية. إنّ صفعة “انقلاب السحر على الساحر” التي تلقاها نتنياهو تؤسّس لمرحلة جديدة، سيكون فيها العدو مضطراً للبحث عن مخارج سياسية تحمي ما تبقى من هيبته العسكرية، بعد أن أثبت محور المقاومة ـ من لبنان إلى إيران ـ مروراً بالعراق واليمن أنه يملك زمام المبادرة وقدرة فرض المعادلات في البر والبحر والجو…