Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر September 16, 2026
A A A
كلمة سلام: أجوبة على أسئلة غير مطروحة
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

لا يمكن أن تعني الكلمة المطوّلة لرئيس الحكومة نواف سلام أمام مجلس النواب أنه تناول خلالها الأسئلة الرئيسية التي تطال سلوك حكومته تجاه الوضع القائم بنتيجة العدوان الإسرائيلي المستمرّ على لبنان، وتجاه اتفاق الإطار الذي وقّعته الحكومة وما تضمنه من التزامات، أو تجاه الرهان التفاوضي برمّته وجدواه، خصوصاً أن أكثر من نصف الفقرات المخصصة للسياسة ومن ضمنها هذه العناوين تركزت على الخسائر التي ترتبت على الحرب، وهي ربما تصلح لمخاطبة البنك الدولي أو مؤتمر لإعادة الإعمار يفترض بالحكومة أن تدعو إليه، ولكنها لم تفعل، أما إيرادها أمام مجلس النواب فهو مجرد تعبير عن نية شريرة للقول إن هذا ما فعلته المقاومة بلبنان واللبنانيين، فهل هذا صحيح؟

هنا تبدأ الأسئلة التي هرب سلام من الإجابة عنها، فهل يصدق رئيس حكومة لبنان وأستاذ القانون الدولي والرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية أن “إسرائيل” ما كانت لتفعل ما فعلت لولا جبهة إسناد غزة، ولولا دخول المقاومة في 2 آذار على خط الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مستفيدة من فرصة للحرب للردّ على الاعتداءات الممتدة لخمسة عشر شهراً، أملاً باستثمار الوضع الإقليمي الجديد لفرض الانسحاب ووقف النار على الاحتلال، وفقاً لما نص عليه اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27-11-24 قبل أن تنقلب عليه الحكومة لصالح اتفاق الإطار؟ وهل يصدق سلام نظرية الذريعة، وأن عدم منح “إسرائيل” الذريعة يجنب لبنان العدوان، حتى يعتبر أن الحرب وقعت علينا، وكأن من تصيبهم حروب “إسرائيل” لا تقع عليهم؟ والسؤال الذي لم يُجب عليه سلام بسيط ولن يجيب عليه وهو لا يملك عليه جواباً، رغم معرفته بالجواب وإنكاره في سره لأنه مرعب لمثله.

يحلم الرئيس سلام لو كان حاكماً لبلد مثل سورية في ظل نظامها الجديد، فنجاريه بالحلم؛ ماذا كان سوف يقترح على الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الذي قال وفعل كل ما يحلم سلام بقوله وفعله، فقضى على الجزء السوري من محور المقاومة وأتاح لـ”إسرائيل” تدمير سلاحه، تماماً كما يحلم هو أن يفعل في لبنان، وقطع خط إمداد أي مقاومة ومنعها من اتخاذ أي مرتكز لها في سورية، وتعهد بضمان أمن “إسرائيل” من سورية، وتهاون في الإصرار على استعادة أرضه المحتلة في الجولان، وقدّم عليها الالتزام بأمن “إسرائيل”، وأعلن ولاءه لواشنطن ولحلفائها في المنطقة من تركيا إلى السعودية، وذهب لمفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” على مستوى وزراء الخارجية والدفاع ورئيسي الأركان والمخابرات لمدة سنة ونصف، لكن الاعتداءات الإسرائيلية طالت كل سورية ولا تزال، ووصلت إلى حدود تركيا واستهدفت العاصمة ومقار الرئاسة ووزارة الدفاع، والاحتلال طال جبل الشيخ ومعه توغل مفتوح في كل جنوب سورية وصولاً إلى حدود الأردن والعراق؛ فهل ينام سلام على ورقة رابحة يمكن لسورية فعلها ويحجم، أم أنه يدرك في سره استحالة فعل شيء إضافي في النهج ذاته الذي يجمعه بالحكم الجديد في سورية؟ وإذا كان هناك ما يمكن فعله ويمثل وصفة سحرية فليقله أمام مجلس الشعب السوري وسوف ننتظر النتيجة لنحكم على وصفاته الهمايونية؟

يستطرد سلام في الحديث عن حصر السلاح ومفهوم سيادة الدولة وربطه بحصر السلاح، ولن نناقش صحة الفرضية التي يكذبها النموذج الأميركي نفسه، والنموذج الإسرائيلي نفسه، وسوف نجاريه بالقول نعم حصر السلاح قضية سيادية، لأن السؤال ليس هنا؛ السؤال هو بربط الالتزام الإسرائيلي المستحق بالانسحاب من لبنان بشرط قيام السلطات اللبنانية بنزع سلاح المقاومة، وربط عودة السكان إلى بلداتهم وقراهم بهذا الشرط ومثله إعادة الإعمار، السؤال هو موافقة الحكومة على منح “إسرائيل” عذر استمرار الاحتلال والعدوان وتهجير السكان وتعطيل الإعمار، حتى يتحقق شرط نزع السلاح، وهذا أمر أخطر من أن يجرؤ سلام على القول إنّه من صلاحيات الحكومة أو إنه صون للسيادة، لأنه أول من يعلم أن هذا الالتزام من قبل الحكومة يضعها في دائرة الشبهة أمام القانون الدولي، عدا عن شبهة حماية الاحتلال من الملاحقة أمام المحاكم والهيئات الدولية.

يقوم خطاب سلام على التذاكي بالحديث عن مفهوم السيادة ومقارنة اتفاق الطائف والقرارات الدولية واتفاق وقف الأعمال العدائية باتفاق الإطار، بالقول إنها جميعها تنص على حصر السلاح، وهذا صحيح لكن أيّاً منها لم يمنح الاحتلال عذر البقاء في الأراضي اللبنانية ومواصلة الاعتداءات وتهجير السكان ومنع الإعمار بشرط إتمام نزع السلاح. وهذا هو مفهوم السيادة لحصر السلاح، لكن اتفاق الإطار فعل العكس فباع السيادة للاحتلال، وينتقل سلام إلى تلفيق أجوبة تعوزها الأدلة في حديثه عن تمكين الجيش، وحديثه عن الاهتمام بالجنوبيين واحتياجاتهم في ظل التهجير، ويصل إلى فقدان المنطق في القول إن الاتفاق ليس اتفاقاً والإطار ليس إطاراً، وكان ينقصه القول إن التفاوض ليس تفاوضاً؟

الكلمة لزوم ما لا يلزم، فلا أحد يقدر على إخفاء مأزق لبنان، والمقاومة لا تنكر ذلك فلماذا تواصل السلطة الإنكار؟ وفي مأزق وجودي ووطني كالذي نحن فيه يبدأ طريق الحل بالاعتراف، ثم بالمكاشفة، والطريق هو الحوار الذي غاب عن كلمة رئيس الحكومة، والحوار يترجم الاعتراف بنقص أوراق القوة لدى كل طرف في لبنان دون المجموع اللبناني، وهذا ليس عيباً، وتجميع هذه الأوراق فضيلة غابت عن كلمة رئيس الحكومة.