Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر January 6, 2026
A A A
قوة اميركية لا تقهر أم خلل فنزويلي؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

– يبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد أنفقت مئات ملايين الدولارات في تنظيم حملات إعلامية تديرها سفاراتها عبر العالم وتستخدم قنوات تلفزيونية وصحفاً وتغريدات المؤثرين وجيوشاً إلكترونية، لرسم هالة الإبهار التي أرادتها أداة ردع عالميّة من صورة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مكبّلاً بالقيود بصورة مهينة يُقاد مشياً على الأقدام أمام الكاميرات في شوارع نيويورك الخلفية المؤدية إلى قاعة المحكمة، وقبلها في الانتقال من قاعدة إلى قاعدة، ونُشرت هذه التسجيلات التي يفترض أن تبقى سرّية بينما بقيت الصورة التي يُفترض أن تكون علنيّة من داخل المحكمة محاطة بالسريّة.

 

– توزّعت الحملة الإعلامية الأميركية المدفوعة، وقد رأينا بعض نماذجها في لبنان، على تصوير العملية كنموذج قابل للتعميم وغير قابل للمقاومة، وتسخيف كل منطق يقول بفرصة المقاومة والمواجهة، وخصّصت فقرات وأنتجت مواد متلفزة غب الطلب لاستهداف مَن تجرأ وقال العكس، وغرّد سياسي منبهر بالقدرة الأميركية يدعو المقاومة في لبنان إلى إلقاء السلاح وفق معادلة “اللي مادورو بيجي دورو”، ووضعت صحيفة عريقة عنواناً رئيساً يتحدّث عن عملية “مذهلة”، وليس صادمة مثلاً، ومن ضمن الحملة تسريبات حملتها صحف أميركية وبريطانية عن موقف نائبة الرئيس الفنزويلي قبل تنصيبها وبعد تنصيبها رئيسة، للقول إنّها جزء من مؤامرة خطف الرئيس مادورو، أو أنّها رضخت للمشيئة الأميركية، كما فعلت كل من التايمز والواشنطن بوست، قبل أن يخرج الرئيس دونالد ترامب يهدّد ديلسي رودريغيز بمصير أسوأ من الرئيس ما لم تستجب لطلبات إدارته.

 

– يقول تاريخ قوات دلتا التي نفذت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي، إنها منذ العام 1993 وهي مصابة بنكسة معنوية، لم تنجح في محوها من الذاكرة رغم قيامها باكتشاف مخبأ الرئيس العراقي السابق صدام حسين واعتقاله، ونجاحها باغتيال أبي بكر البغدادي زعيم داعش، لأن ما أصابها عام 1993 مختلف وأضخم بكثير من عمليات تكتيكية صغيرة مثل عمليتي الوصول إلى مخابئ صدام حسين وأبي بكر البغدادي، وقد قامت دلتا بعملية مشابهة تماماً لتلك التي نفذتها في فنزويلا في محاولة لاختطاف الرئيس الصومالي محمد فرح عيديد الذي لا تعترف واشنطن بشرعيته بل تعتبره زعيم القراصنة، وبطريقة عملية كاراكاس ذاتها كانت عمليّة مقديشو، لكن الطائرات هربت بعدما أسقطت طائرتان منها، وبقي الضباط والجنود على الأرض يقاتلون بلا جدوى حيث قتل منهم 17 وأصيب أكثر من 70، وانتهى الأمر بقرار الرئيس كلينتون عام 1994 بسحب كل القوات الأميركية من الصومال.

 

– في تاريخ غير بعيد، وخلال حرب السنتين التي شهدتها المنطقة بعد طوفان الأقصى، ووقفت فيها واشنطن استخباراتها وأسلحتها المدمرة الممنوع استخدامها وتطورها التقني وتمويلها المفتوح خلف حرب الإبادة التي شنّها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وانتهت بعدم الوصول إلى الهدف المنشود بإنهاء المقاومة في غزة ولبنان، كانت للجيوش الأميركية حربها، عندما تعهّد الرئيس ترامب بضمان أمن “إسرائيل” من الجبهة اليمنية ليتسنى لها التفرّغ للحسم في غزة، ووعد بفتح أبواب الجحيم على اليمن، وشن ألف غارة خلال أربعين يوماً، وكانت النتيجة بعد الأيام الأربعين إصابة حاملة الطائرات هاري ترومان بثقوب على سطحها ووجود تهديد جدي بإغراقها، وتساقط الطائرات الحربية من على متنها، وتوصل قادة الجيوش الأميركية إلى استحالة الدفاع عن الاسطول أمام الطائرات المسيّرة والصواريخ اليمنية، واستحالة حماية الكيان من استهدافات اليمن واستحالة ضمان عبور السفن التي يمنعها اليمن من عبور البحر الأحمر، فكان قرار الانسحاب هزيمة مدوية لطخت سمعة الجيوش الأميركية وخرافات التفوق والإبهار، ولم ينفع الذكاء الصناعي الذي لا يمكن الصمود أمامه.

 

– تفادت واشنطن خيار الحرب لمعرفتها أن الغزو البري سوف يُعيد إنتاج مشهد العراق وأفغانستان، والفشل تلو الفشل، وهي تعلم أن الردع الذي تريده من عملية خطف الرئيس الفنزويلي هو مقامرة غير مضمونة النتائج، رغم النجاح التقني الذي حقق لقوة دلتا فرصة مسح الذاكرة وإلغاء صورة مقديشو المهينة لسمعتها العسكرية، لكن سؤال اليوم التالي يلاحق ترامب، وقد نجت دلتا باستخدامه للدعاية لها دون أن يولد تدخلها ديناميكية تضمن النجاح، ومن يضمن إذا توسّع ترامب نحو كولومبيا أو كوبا عدم تكرار مثال الصومال ومقديشو، وإذا ذهب للحرب هل تفيد حملات الترويج والدعاية في منع تكرار المثال اليمني، حيث الساحل الأميركي لا يبعد عن الساحال الفنزويلي والكولومبي والبرازيلي أكثر من مسافة السواحل اليمنية عن مطار بن غوريون، والدفاعات الأميركية التي فشلت في البحر الأحمر هي ذاتها في البحر الكاريبي، وما يحمي تكساس نسخة عن ما يحمي تل أبيب، وكما طوّر اليمن وامتلك صواريخ وطائرات مسيّرة يمكن لفنزويلا وكولومبيا وكوبا والبرازيل فعل ذلك، ويبقى السؤال هل يرتكب ترامب الحماقة ويتحول البحر الكاريبي إلى بحر أحمر آخر، أم انه سوف يكتفي بما يحصل عليه من نظام فنزويلا، بالضغط والحصار والتهويل؟

 

– ما جرى في فنزويلا بخلاف ما جرى مع اليمن والصومال، لا يقول إن أميركا قوة لا تُقهر بل إن في فنزويلا خلل لا يُغفَر.