Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر February 4, 2026
A A A
قليلٌ من الواقعية.. يا دولة الرئيس!!
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

في الفيلم المصري “النوم في العسل” لعادل إمام، يستيقظ المجتمع على أزمة خطيرة، فيما تصرّ السلطة على إنكارها، وتتعامل معها كحالة هامشية لا تستحق القلق.

الكارثة في الفيلم لا تكمن في الأزمة نفسها، بل في عقلٍ رسمي يفضّل الطمأنينة المصطنعة، ويختار النوم في عسل الخطاب المريح بدل مواجهة الواقع كما هو ومصارحة الناس فيه لتضافر الجهود من أجل إيجاد العلاجات الناجعة.

هذا المشهد السينمائي، يبدو أقرب إلى الواقع اللبناني اليوم، حيث تُسوَّق صورة الاستقرار والشعور بالأمان في الخطابات الخارجية، فيما الوقائع على الأرض تروي حكايات مختلفة تستدعي التوقف مطولًا أمام تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام للسؤال عن الفجوة المتزايدة بين الكلام المنمق والواقع المأسوي.

في إطلالةٍ له من القمة العالمية للحكومات في دبي، تحدث الرئيس سلام عن الاستقرار في لبنان، وعن الشعور بالأمان، وعن استعادة قرار السلم والحرب، وبسط سيادة الدولة على كامل الجنوب اللبناني. كلامٌ بدا، في ظاهره، مطمئنًا ومنسجمًا مع الخطاب الرسمي المطلوب في المحافل الدولية. غير أنّه، عند مقارنته بالوقائع الميدانية، يثير أكثر من علامة استفهام، ويفتح الباب واسعًا أمام سؤال جوهري: عن أيّ لبنان كان يتحدث رئيس الحكومة؟.

لبنان “النوم في العسل”، أم لبنان الذي واجه في الشهر الفائت “ميني” حروب يومية تمثلت بمئات الغارات والاعتداءات وعمليات التوغل وتفجير المنازل، وعشرات الشهداء والجرحى.

هذه الخروقات والانتهاكات الاسرائيلية ليست وجهة نظر، بل وقائع دامغة تُسقط أي توصيف وردي للوضع الأمني، وتضع خطاب رئيس الحكومة أمام امتحان الصدقية.

الأكثر إثارة للقلق في حديث سلام، ليس فقط تجاهل هذه الاعتداءات، بل التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي وكأنه تفصيل ثانوي أو أمر واقع، فيما يُقدَّم بسط سيادة الدولة في الجنوب على أنه مسألة محصورة حصريًا بسلاح المقاومة، وكأن الاحتلال لا يناقض مفهوم السيادة، ولا ينتقص منها، ولا يفرغها من مضمونها.

يتحدّث رئيس الحكومة عن بسط سيادة الدولة منذ العام 1969، متناسيًا أو متجاهلًا استمرار الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الخمس، واستباحة الأجواء اللبنانية، والغارات اليومية، والقتل، والتدمير، والغطرسة العسكرية التي لم تتوقف يومًا.

هذا التناقض الصارخ، يفتح الباب أمام جملة من التساؤلات لجهة:

هل نحن أمام انفصام سياسي؟ أم بعدٍ فاضح عن الواقع؟ أم عيشٍ في كوكب آخر؟ أم هو مجرد ذرٍّ للرماد في العيون، و”تفنيصة” دبلوماسية أمام المجتمعين في القمة العالمية للحكومات في دبي؟، ثم، أي سيادة هذه التي لا ترى الاحتلال؟ وأي قرار سلم وحرب يُستعاد فيما العدو يقرّر وحده متى يقصف ومتى يتوغّل ومتى يدمر ومتى يقتل؟.

ما يجري يؤكد بما لا يقبل الشك، في أن بعض المسؤولين في لبنان يعيشون في واد، فيما الأزمات الأمنية والسيادية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية تتنامى في وادٍ آخر، وبالتالي فإن لبنان لا يحتاج إلى خطابات مطمئنة بقدر ما يحتاج إلى واقعية سياسية تعترف بحجم الأخطار، وتسمّي الأشياء بأسمائها، وتدرك أنّ السيادة لا تُجزّأ، ولا تُبسط على حساب طرف، ولا تُستعاد بتجاهل الاحتلال.

قليل من الواقعية يا دولة الرئيس.. فالوقائع على الأرض أقسى بكثير من الكلمات المنمّقة في المؤتمرات.