Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر February 25, 2026
A A A
قرارات أمريكية حول سورية: ثقة أو لا ثقة؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

– بينما ينشغل كثير من اللبنانيين بالحديث عن احتمال تدخل عسكري سوري عبر الحدود اللبنانية، يبدو المشهد الأمني الاستراتيجي في سورية محكوماً بمعادلات مختلفة، حيث أربعة قرارات أميركية متلاحقة ترسم إطار هذا المشهد: القرار الأول هو إنجاز اتفاق بين حكومة دمشق وقوات سورية الديمقراطية يحفظ لقسد نواة قواتها الصلبة ضمن فرقة مستقلة بأسلحتها الثقيلة وهيكلتها التراتبية وقوام يقارب 30 ألف مقاتل، والحديث عن تسمية ذلك بالدمج تحت راية وزارة الدفاع، وإلى جانبه قرار ثان بالحفاظ على سيطرة الأمن الداخلي لقوات سورية الديمقراطية المسماة بالـ “أسايش” على مناطق الغالبية الكردية شمال شرق سورية، خصوصاً مدينتي الحسكة والقامشلي التي تعهدت القوات الحكومية بالبقاء خارجها، مع قوام من عشرة آلاف عنصر ما يحفظ نواة الكانتون الكردي سليمة وجاهزة للتوسّع في أي مرحلة تستدعي ذلك.

 

– القرار الثالث الذي اتخذته واشنطن تمثل بنقل 5700 معتقل من مقاتلي تنظيم داعش من سورية إلى العراق، دون تفسير سبب النقل، ما أوحى أن غالبية هؤلاء المعتقلين هم من العراقيين والأجانب الذين ستتم معالجة ملفاتهم في العراق بين المحاكمة والترحيل، ليظهر لاحقاً وفق البيانات الرسمية العراقية أن 3400 من هؤلاء يحملون الجنسية السورية. والسؤال المنطقي لماذا لم يتم تسليم المعتقلين السوريين إلى الحكومة السورية، ما دامت موضع ثقة أميركية كما تقول التصريحات والمواقف المعلنة، بينما لا يبدو نقل المعتقلين إلى العراق إلا تعبيراً عن خشية من بقائهم في سورية ونجاح تنظيم داعش بإطلاق سراحهم عبر اختراقات للبنية الأمنية السورية الرسمية، كما حدث في عملية تدمر عندما أطلق عنصر في الأمن العام النار على الجنود الأميركيين المكلف بحمايتهم.

 

– القرار الأميركي الرابع كان الانسحاب العسكري من سورية، وهذا القرار الذي ربطه البعض بإخلاء قواعد قد تكون عرضة للاستهداف خلال حرب أميركية إيرانية، يطرح أسئلة مصدرها أن هذه القوات انتقلت من جنوب سورية إلى الأردن ومن شمال سورية إلى اربيل، وهي معرضة الى حيث انتقلت للاستهداف بمثل ما كانت عليه المخاطر في سورية، أما التبرير الثاني فكان انتفاء الحاجة لهذه القوات بفعل الثقة الأميركية بالحكومة السورية واجهزتها الأمنية، وقدرتها على مواجهة تنظيم داعش بقدراتها الذاتية، ما يطرح السؤال عما إذا كان عدم الانسحاب من الأردن وكردستان العراق علامة عدم ثقة بالحكومات والأجهزة الأمنية في الأردن وكردستان، وهو ما لا يستقيم مع أي منطق.

 

– مع اكتمال المشهد السوري على خلفية هذه القرارات، بدأ تنظيم داعش شن هجمات متلاحقة على أجهزة الأمن السورية، بحيث لا يكاد يمر يوم دون هجوم جديد، يكبد الأجهزة السورية خسائر بشرية، والمنطقي أن تكون لدى الاستخبارات الأميركية معلومات عن وجود هذا التوجه لدى تنظيم داعش، ومع انكفاء قوات سورية الديمقراطية عن مواجهة تنظيم داعش في ضوء الإحباط الذي أصاب البيئة الكردية تجاه ما تحمله الأكراد من أثمانٍ للتحالف مع أميركا في الحرب على داعش، وبدلاً من مكافأتهم تم بيع هذا التحالف بثمن بخس لحكومة دمشق ومصادرة حلم الأكراد بالفدرالية أو التأسيس لدولة مستقلة، سوف يكون على الحكومة وحدها أن تتحمل أعباء المعركة مع داعش، في ظل انكفاء كردي ودرزي وعلوي عن تشارك أعباء هذه المعركة القاسية والطويلة.

 

– وسط سورية سوف يكون ساحة حرب ضارية بين داعش وجبهة النصرة، بينما تركيا تدير شمال غرب سورية، وروسيا ترتاح في الساحل، و”إسرائيل” تتوسع في الجنوب، وعلى حكومة دمشق أن تسدّد فاتورة تغطية حكمها سورية بتحمل مسؤولية الحرب على داعش، وسوف تساند أميركا هذه الحرب عن بُعد دون احتكاك مباشر، وربما تفتح الباب أمام عبور مزيد من مقاتلي داعش من العراق وغيره إلى سورية كلما بدا أن الحرب تتجه نحو البرود، وفي ظل حرب كهذه سوف يكون من الصعب الحديث عن بناء هيكل سياسي وإداري مدني للدولة في سورية، وسوف تبقى الحرب تحت عنوان جبهة النصرة وتنظيم داعش، وربما يكون هذا أحد عناوين المشروع الأميركي في المنطقة، بالتوازي مع عناوين أخرى تترجمها الحروب الأخرى التي تديرها واشنطن، وتشكل المواجهة مع إيران أو مشروع الاتفاق مع إيران محوراً له قواعده الخاصة التي لا تتأثر بما يفترض أن يجري في سورية، وقد بدأ للتوّ.