Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر May 23, 2026
A A A
قد يتحقق الانفراج في «النووي» ويأتي الانفجار من لبنان
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

يقول الخبراء الغربيون: “بين هرمز وبيروت تُرسم خرائط التفاوض الأميركي الإيراني”، فيما تتحول باكستان إلى غرفة عمليات الوساطة الدولية، ويتقدّم لبنان من موقع “الجبهة المساندة” إلى موقع العقدة المركزية في أي تسوية مقبلة. ويبدو المشهد الذي ترسمه الصحف الأميركية والبريطانية والوكالات شديد التعقيد، حيث لم يعد مجرد تفاوض حول تخصيب اليورانيوم أو حرية الملاحة، بل تفاوض على شكل النظام الإقليمي نفسه، وعلى مستقبل معادلة المقاومة في لبنان بالتحديد.

 

في الساعات الأخيرة، بدا واضحًا أن الوساطة الباكستانية دخلت مرحلة حساسة، بعدما وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران بعد جولات اتصالات مع واشنطن والدوحة، فيما يستعد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لزيارة بكين، في مؤشر إلى محاولة بناء “مظلة ضمانات” صينية باكستانية للتفاهم المحتمل. وتقول تقارير رويترز وأكسيوس إن الحديث يدور حول “رسالة نوايا” أو مذكرة أولية تؤسس لثلاثين يومًا إضافية من التفاوض، مع تثبيت وقف النار وفتح مسار سياسي أوسع.

 

لكن العقد الحقيقية ما زالت على حالها. العقدة الأولى هي هرمز؛ إيران تريد اعترافًا بدورها الأمني في المضيق ورفعًا مرحليًا للعقوبات وتحرير الأموال المجمّدة، بينما تريد واشنطن إعادة فتح الملاحة بلا قيود ومنع أي “سيادة إيرانية” على خطوط العبور. ولهذا تصف صحف بريطانية المشهد بأنه “تفاوض على شريان الطاقة العالمي”، لا مجرد خلاف تقني. والعقدة الثانية هي اليورانيوم المخصّب؛ الأميركيون يريدون إخراج المخزون العالي التخصيب أو وضعه تحت رقابة صارمة وربما نقله إلى طرف ثالث، بينما ترفض طهران مناقشة هذا الملف قبل تثبيت وقف الأعمال العدائية وضمان عدم استئناف الضربات الأميركية والإسرائيلية. وهنا تظهر روسيا والصين كطرفين محتملين في أي ترتيبات لاحقة.

 

خلف هرمز واليورانيوم يبرز لبنان كالعقدة الأخطر، حيث تعتقد واشنطن أن “الإنجاز السياسي” الحقيقي للحرب لا يتحقق في المضيق فقط، بل في الجنوب اللبناني. لذلك ربطت الإدارة الأميركية تمديد وقف النار بمواصلة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن، ومحاولة تحويل التهدئة إلى ترتيبات أمنية دائمة جنوب الليطاني. بينما في المقابل، تتعامل إيران مع الملف باعتباره محاولة لمنح “إسرائيل: جائزة المنتصرين وهي لم تنتصر، عبر السعي لفرض هيمنة إسرائيلية على المشرق من بوابة لبنان، ولكن بأدوات تفاوضية هذه المرة. ولذلك تصرّ طهران على الربط بين الجبهات، وترفض الفصل بين هرمز ولبنان. ويقول الإيرانيون عمليًا إن أي استقرار دائم في الخليج يحتاج إلى استقرار متوازن في لبنان، لا إلى تحويل الدولة اللبنانية إلى شريك أمني ضد المقاومة.

 

أما “إسرائيل”، فتدخل التفاوض من زاوية مختلفة تمامًا؛ هي تريد تثبيت حق “العمل الوقائي” ضد أي تهديد محتمل، وتوسيع هامش الضربات داخل لبنان، مع دفع الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية إلى لعب دور أكبر في مواجهة المقاومة. وهذا ما يفسر استمرار العمليات العسكرية رغم الحديث عن الهدنة، كما يفسر الضغوط السياسية والعقوبات الأميركية المتصاعدة، والهدف النهائي لا يزال منطقة خالية من السكان على الحدود بعمق كافٍ لجعلها منطقة استيطان لاحقاً.

 

الصورة الحالية شديدة التعقيد، واشنطن تحتاج اتفاقًا يمنع انفجار أسعار النفط قبل الانتخابات ويُعيد فتح هرمز. وإيران تريد كسر الحصار ومنع تحويل نتائج الحرب إلى استسلام سياسي. أما “إسرائيل” فتريد استثمار الحرب لإعادة صياغة الوضع اللبناني أمنيًا وسياسيًا. فيما باكستان والصين وقطر، تحاول منع الانفجار الكبير عبر إنتاج تسوية مرحلية تحفظ ماء وجه الجميع. لكن المشكلة أن كل طرف يعتبر أن الوقت يعمل لصالحه؛ واشنطن تراهن على الضغط الاقتصادي والعسكري، وطهران تراهن على استنزاف السوق العالمية وقلق الطاقة وارتفاع النفط، و”إسرائيل” تراهن على تحويل التفاوض إلى مسار يضعف المقاومة تدريجيًا.

 

المقاومة تثق بأن الميدان في جنوب لبنان ما زال قادرًا على تعطيل أي محاولة لفرض وقائع سياسية بالقوة. ولهذا، تبدو المنطقة أمام احتمالين متوازيين: إما انفراج تدريجي يبدأ من هرمز وينتهي بتسوية واسعة تشمل لبنان، وإما انفجار جديد، لأن العقدة اللبنانية تحديدًا قد تكون أكبر من قدرة الوسطاء على الاحتواء.