Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر February 14, 2026
A A A
في الذكرى ٢١ لاستشهاد الرئيس الحريري…خسارة قامة وطنية وضمانة سيادية ورجل حوار
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

في كلّ عام، تعود ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري حاملة معها صورة رجل شكّل محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، رجل لا يمكن اختصار خسارته ببضع كلمات.

لم يكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري مجرد رئيس حكومة، بل مشروع دولة سعى إلى إعادة بناء وطن أنهكته الحرب، وحمل قضيته إلى العواصم العربية والدولية، مؤمناً بأن لبنان يستحق فرصة جديدة للحياة والاستقرار.

استشهاد الحريري لم يكن حدثاً سياسياً مؤلماً فقط، بل خسارة وطنية حقيقية لرجل في زمن الحرب وما بعدها، جال العالم مدافعاً عن لبنان، مستقطباً الدعم لإعماره، ومرسّخاً صورة بلد قادر على النهوض رغم الجراح.

لم تقتصر تداعيات استشهاد الحريري على بيئته السياسية، بل طالت المشهد اللبناني بأكمله، الذي افتقد شخصية تمتلك شبكة علاقات دولية واسعة ورؤية اقتصادية واضحة وتصميم على العمل للنهوض بلبنان بالاضافة الى انه كان من القلة التي بإمكانها جمع المتخاصمين على طاولة واحدة.

امتلك الرئيس الشهيد رفيق الحريري لغة حوار بَنّاء وادرك ان استقرار لبنان لا يقوم الا على التوازنات الدقيقة.

في الذكرى ٢١ نسترجع صورة العلاقة المميزة التي جمعت الحريري برئيس تيار المرده سليمان فرنجيه، علاقة لم تُبنَ فقط على الحسابات الضيقة، بل على مواقف صادقة واحترام متبادل والكثير من الثقة والايجابية حيث استطاع الرجلان أن ينسجا خيطاً من الودّ الشخصي، وأن يحافظا على قنوات التواصل حتى في أصعب الظروف.

يقول احد المقربين من الرئيس الشهيد لموقع المرده ان فرنجيه كان مميزاً بالنسبة لـ “ابو بهاء” بفعل صراحته السياسية ووضوح مواقفه واخلاقه في التعامل مع الاخر، وهي صفات ساهمت في ترسيخ هذه الصداقة.

ويضيف ان الحريري كان يحترم فرنجيه لانه من السياسيين القلة الذين يفضّلون القول المباشر على المناورة، ما خلق مساحة من الثقة والتفاهم والود دفعت الحريري ذات يوم لما سئل عن اصدقائه ان فرنجيه من بينهم.

بعد استشهاد الحريري، لم تنقطع هذه العلاقة، بل أخذت بُعدًا آخر مع نجله الرئيس سعد الحريري، وعلى الرغم من التباينات التي شهدتها الساحة اللبنانية، شكّل ترشيح سعد الحريري لسليمان فرنجيه لرئاسة الجمهورية لحظة سياسية لافتة حيث لم يكن القرار سهلاً في ظل الاصطفافات الداخلية، لكنه حمل دلالات تتجاوز السياسة اليومية، ليؤكد أن جسور الثقة التي بنيت مع الاب امتدت إلى الابن.

ذلك الترشيح لم يُقرأ فقط كخطوة سياسية، بل كدلالة على امكانية تفاهم بين قطبين على جعل مصلحة البلد فوق اي اعتبار وإقرار بأن الحوار يبقى الطريق الأقصر لحماية لبنان من الفراغ والصراعات وإعادة الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية.

اليوم، ومع مرور السنوات على اغتيال الرئيس الحريري، لا تزال سيرته حاضرة في النقاش حول شكل الدولة التي حلم بها: دولة المؤسسات، والاقتصاد المزدهر، والانفتاح على العالم. كما تبقى علاقاته السياسية، ومنها صداقته مع فرنجيه، نموذجاً يُحتذى به في السياسة حيث ان الخلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية.

قد تختلف القراءات السياسية، وتتبدل التحالفات، انما الثابت والاكيد أن لبنان يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تلك الروحية التي جمعت بين رجال آمنوا بأن الحوار أقوى من القطيعة، وأن الصداقات الصادقة في السياسة ليست ترفاً، بل ضرورة وطنية، ومن هؤلاء الرجال يبقى نجله الرئيس سعد الحريري علامة فارقة في تاريخ السياسة اللبنانية حيث لم تتمكن اي شخصية مهما علا شأنها ان تأخذ مكانه من القلوب ومن الحياة السياسية التي طعن فيها من حلفائه لا من خصومه ومِن مَن كان يبتسم في وجهه ويَنم عليه في غيابه.

تجدر الاشارة الى ان علاقة الحريري فرنجيه كانت مميزة وبقيت كذلك مع نجله الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري الذي قال ذات يوم ” كلام فرنجيه من ذهب” فيما وصفه الاخير بأنه “وفي” و”شهم”.

لبنان اليوم بحاجة الى نهج ارساه الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتابع مساره نجله سعد ما شكل ضمانة سيادية نفتقدها ونحن بأمس الحاجة اليها سواء لناحية خفض منسوب التوتر او الرقي بالتعاطي السياسي او الميل الى الواقعية بدل المغامرة والقدرة على قول كلمة لا عندما يجب ان تقال.

في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، لا يُستحضره فقط كقائد اغتيل في عز عطائه، بل كقائد قادر على لم الشمل تحت سقف الوطن الواحد.

في ١٤ شباط خسر لبنان قامة سنية لبنانية وطنية ستبقى ذكراها محفورة في ذاكرة الاجيال.