Beirut weather 16.88 ° C
تاريخ النشر April 10, 2026
A A A
فلتكن القيامة من داخلنا…
الكاتب: خلود وتار قاسم - اللواء

ما يجري اليوم ليس “صراعات” ولا “نزاعات” كما تُحب المؤسسات الدولية أن تُسميها،

 

بل منظومة قتل مُدارة، تُمنح فيها الشرعية للقوة، ويُعاد فيها تعريف الإنسان وفق مصالح القوى الكبرى.

نحن لا نعيش حربًا… نحن نعيش نظامًا عالميًا يسمح بالحرب، ويغذّيها، ويستثمر في استمرارها.

في هذا النظام، لا تُقاس قيمة الدم… بل تُصنّف.

هناك دمٌ يُبكي العالم، ودمٌ يُبرَّر، ودمٌ لا يُرى أصلًا.

لبنان يُستباح بلا رادع، فلسطين تُذبح على الهواء مباشرة، سوريا تُركت لتتفكك،

ومنطقتنا تُدار كمساحة نفوذ مفتوحة، تُختبر فيها الأسلحة وتُرسم فيها خرائط جديدة على حساب الشعوب.

 

أما ما سُمّي يومًا “الربيع العربي”، فقد تحوّل – بكل وضوح – إلى عملية إعادة تشكيل جيوسياسية،

نُقلت فيها الشعوب من استبداد محلي إلى فوضى مُدارة، ومن أنظمة قمعية إلى ساحات مفتوحة اللهيمنة، حيث أصبح التهجير سياسة، والفقر أداة، والإنسان سلعة في أسواق سوداء عابرة للحدود.

هذه ليست فوضى…

هذه هندسة. هندسة للانهيار، هندسة للضعف، هندسة لشعوب تُستنزف حتى تفقد قدرتها على المقاومة.

والأخطر من ذلك، أننا بدأنا نتكيّف. نتابع المجازر وخسارة أهلنا وأحبابنا عبر الشاشات فنغضب، ثم نحزن… ومن ثم نكمل يومنا.

 

وهنا، تحديدًا، تنتصر هذه المنظومة، عندما يتحوّل الألم والمأساة إلى مشهد اعتيادي.

اليوم، وفي عيد الفصح لدى الطوائف المسيحية، نتحدث عن القيامة…لكن أي قيامة ننتظر،

إذا كنا نقبل أن نعيش في نظامٍ يقتلنا ببطء ويُقنعنا أنه “قدر”؟

القيامة ليست حدثًا سماويًا فقط، بل فعل مقاومة. مقاومة للزيف،

مقاومة للتطبيع مع الظلم، ومقاومة للخطاب الذي يحاول إقناعنا أن ما نعيشه طبيعي.

الحقيقة التي يجب أن نواجهها أن عدونا لا ينجح فقط بقوته… بل بانقسامنا.

 

حين يتحول القريب إلى خصم، وحين ننشغل ببعضنا ونُنجز عنه ما عجز هو عنه.

جارك ليس عدوك. العدو هو من يصنع هذا الشرخ، ويستثمر فيه، ويعيد إنتاجه يوميًا.

لذلك، إن كان هناك من قيامة…فلتكن من داخلنا.

وعيٌ يرفض التلاعب، وحدةٌ ترفض التفكيك، وإرادةٌ ترفض أن تبقى مجرّد رقم في حسابات الآخرين.

لقد طال هذا الليل. وطال صمت العالم أكثر.

لكن التاريخ لا يرحم، وكل منظومة بُنيت على الدم… سقطت.

والسؤال لم يعد: متى تنتهي هذه المرحلة؟

بل: هل نمتلك الشجاعة لنكون جزءًا من نهايتها؟

وكل واحد فينا مسؤول.