Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر March 24, 2026
A A A
عودة متعثّرة للتعليم الرسمي: لا خطة واضحة
الكاتب: فاتن الحاج

كتبت فاتن الحاج في “الأخبار”:

مع انتهاء عطلة عيد الفطر، يعود التعليم الرسمي اليوم بصورة متفاوتة، في مشهد يعكس التشظّي الذي يعيشه القطاع التربوي تحت وطأة النزوح والظروف الأمنية والمعيشية.

في المناطق الآمنة، ولا سيما في الشمال وأجزاء من جبل لبنان وبعض قرى البقاع، حيث لم تُحوَّل المدارس إلى مراكز إيواء، يُستأنف التعليم الحضوري بصورة شبه طبيعية وفق البرنامج المُعتمد، لأربعة أيام أسبوعياً. أمّا المدارس التي استُخدمت جزئياً للإيواء وتمكّنت من تخصيص مساحات للتعليم، فاعتمدت التعليم المُدمج: ثلاثة أيام حضورياً ويوم عن بُعد.

في المقابل، تواصل المدارس التي تحوّلت بالكامل إلى مراكز إيواء التعليم «أونلاين»، فيما أُعفيت مدارس الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت من التعليم حالياً.

بالتوازي، برزت مشكلة خدمة الإنترنت المُخصّصة للطلاب، إذ وفّرت وزارة الاتصالات 20 جيغابايت لكل طالب، لكن شكاوى سُجّلت بسبب محدودية الاستفادة منها، بعدما تبيّن أنها محصورة بمستخدمي منصَّتي «تيمز» و«مدرستي» وضمن أوقات محدّدة. كما زاد الالتباس حول آلية استخدامها، بين من أكّد حصرها بالهواتف ومن أشار إلى إمكان تشغيلها عبر أجهزة الكمبيوتر المحمولة.

مع ذلك، يرى كثيرون أن إصرار وزارة التربية على استئناف التعليم يبدو منفصلاً عن الواقع، في ظل النزوح والأوضاع الأمنية، إلى جانب صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، ما يجعل قدرة شريحة واسعة من الطلاب على التعلّم شبه معدومة، ناهيك عن أن العديد من المعلمين، ولا سيما في مراكز النزوح، غير قادرين على التفرّغ للتدريس.

وكانت روابط التعليم الرسمي (الثانوي والأساسي والمهني) قد حاولت فرض تأجيل الدراسة إلى ما بعد عطلة عيدَي الفصح في 13 نيسان، إلا أن المحاولة لم تنجح، ما أدّى إلى ترك هامش من الحرية في اتخاذ القرار، خصوصاً على مستوى الأساتذة المتعاقدين.

في هذا السياق، جدّد رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي، جمال العمر، الدعوة إلى تأجيل التعليم، مؤكّداً عدم جدوى التعليم «أونلاين»، مع عدم معارضة التعليم الحضوري في المناطق الآمنة، تحقيقاً للمساواة مع المدارس الخاصة وتأمين دخل للمتعاقدين الذين يتقاضون أجورهم على أساس الساعة. واعتبر أنه «ليس من المنطقي مطالبة الأساتذة غير القادرين على التدريس، خصوصاً في الجنوب والضاحية، بالتعليم في ظل هذه الظروف».

وسط هذا المشهد، يبرز نقاش تربوي أعمق يتجاوز شكل التعليم الحالي. فثمة من يوافق على طرح الوزارة بأن «العدالة التربوية لا تعني أن يُظلم الجميع»، بل تقتضي إتاحة التعليم لمن يستطيع، شرط وضع خطة واضحة لتعويض من حُرموا منه. غير أن السياسات الحالية، التي توزّع التعليم بين حضوري وعن بُعد وفق المناطق، تبدو «ناقصة» ما لم تندرج ضمن رؤية شاملة تعالج الفجوة المتزايدة بين الطلاب، إذ لا يُعقل أن ينهي الجميع عامهم الدراسي بالمعايير نفسها، فيما لم يتلقَّ بعضهم تعليماً فعلياً، كما في الجنوب، ثم يخضعون للامتحانات الرسمية ذاتها.

بناءً عليه، تبرز الحاجة إلى خطة واضحة تشمل برامج تعويض جدّية، وربما مدارس صيفية إلزامية بدل الشكلية، أو حتى مناهج خاصة للطلاب المتضرّرين، بدل الاكتفاء بحلول ترقيعية قد تكرّس ظلماً طويل الأمد.
في المحصّلة، لا تكمن المشكلة في استئناف التعليم بحدّ ذاته، بل في غياب رؤية تضمن الحد الأدنى من العدالة، في بلد بات فيه الوصول إلى المدرسة امتيازاً لا حقاً.