Beirut weather 11.88 ° C
تاريخ النشر March 6, 2026
A A A
عن ليلة الخروج القاسي من الضاحية
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

 

 

ما جرى مساء أمس في الضاحية الجنوبية لبيروت مؤلم بكل المقاييس، هو ليس بتهديد امني فقط من عدو يستبيح كل شيء بل انذار تضمن وقاحة بتحديد مسارين للاهالي للخروج واحد باتجاه جبل لبنان والثاني باتجاه بيروت، وحظر سلوك أي طريق نحو الجنوب تحت طائلة الاستهداف.

لحظة إنسانية ثقيلة اختلط فيها الخوف بالعجز، والوجع بمرارة السؤال. حين طُلب من الأهالي إخلاء المباني، لم يكن أمامهم وقت للتفكير أو الترتيب. خرج الناس على عجل، بعضهم بلا شيء تقريباً، آخرون حملوا ما تيسّر من مستلزمات ضرورية: أوراقاً رسمية، بعض الملابس، دواءً لطفل أو مسنّ، أو حتى مجرد حقيبة صغيرة تختصر حياة كاملة.

المشهد كان مؤلماً. شوارع مكتظة، زحمة سير رهيبة، عائلات تبحث عن سيارة تقلّها، وأطفال يجرّون حقائب اثقل منهم وهم لا يفهمون تماماً ما يحدث.

في تلك اللحظة، لم يكن السؤال عن السياسة أو التحليلات العسكرية، بل عن الإنسان الذي وجد نفسه فجأة خارج منزله، بلا يقين ولا وجهة واضحة.

الكثيرون تساءلوا: لماذا الضاحية؟ الجواب واضح تحريض البيئة الشيعية وتشريدها وتهجيرها ليس فقط عسكرياً، بل نفسياً واجتماعياً أيضاً.

تداعيات الإخلاء لا تقف عند لحظة الخروج من المنزل. فالنزوح، حتى لو كان مؤقتاً، يترك أثراً عميقاً في حياة الناس فكيف اذا ترافق مع تهديم المنازل امام اعين اصحابها.

ليلة واحدة خارج البيت كفيلة بأن تقلب حياة عائلة رأساً على عقب. أين ينام الأطفال؟ هل تتسع مراكز الايواء؟ ماذا عن كبار السن الذين بالكاد يتحملون الانتقال من مكان إلى آخر؟ أسئلة كثيرة تطرح نفسها في كل بيت أُجبر أصحابه على المغادرة.

ومع تكرار مشاهد النزوح في أكثر من منطقة، يعيش لبنان واقعاً قاسياً: ما يقارب ربع سكانه أصبحوا بشكل أو بآخر نازحين داخل بلدهم. أناس تركوا بيوتهم في الجنوب، وآخرون في مناطق أخرى، وكلهم يبحثون عن مكان آمن ولو مؤقتاً.

وسط هذا المشهد، تتجلى صورة العربدة الإسرائيلية التي لا تميز بين جبهة وأخرى، ولا بين عسكري ومدني وتضغط ليس فقط بالنار، بل أيضاً بالخوف والإنذار والإخلاء، أي بكل ما يمكن أن يهز حياة المدنيين اليومية.

لكن، وسط هذا الألم، يبقى شيء واحد لافتاً في لبنان: قدرة الناس على مساندة بعضهم البعض. بيوت فتحت أبوابها، أصدقاء استقبلوا أصدقاء، وعائلات تقاسمت ما لديها مع من اضطروا إلى ترك كل شيء خلفهم.

قد يكون المشهد قاسياً، وقد تكون الأسئلة أكبر من الإجابات الآن، لكن الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أن النزوح ليس مجرد حركة سكانية، بل جرح إنساني عميق. خلف كل باب أُغلق على عجل، هناك قصة عائلة، وذاكرة بيت، وأمل بسيط بأن يعود أصحابه إليه يوماً…