Beirut weather 16.59 ° C
تاريخ النشر January 12, 2026
A A A
عن السنة الأولى من ولاية الرئيس
الكاتب: جوزف القصيفي

 

كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة في “الجمهورية”

مرّت سنة على انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية. لم تكن الطريق إلى بعبدا مفروشة بالورود. ربما كانت الأشواك هي أكثر ما صادفته في السنة الأولى من ولايته التي أمسك فيها العصا من منتصفها من دون أن يتخلّى عن حزمه، ونيّته في استعادة كل ما فقدته الدولة طوال عقود من السنين من سيادة، واستقرار، وانتظام في عملها، وملاءة في ماليّتها، وأمل في التقدّم والازدهار.

كان على الرئيس عون أن يوازن بين منطق الدولة وموجبات التماسك الداخلي بين مكوّنات الوطن بالحفاظ على الوحدة الوطنية، ومنع الانفجار الذي بدا ممكناً في أي لحظة لولا السهر المباشر على الأمن القومي، والتصدّي لكل محاولات الفتنة. كلٌّ كان يُريد منه أن يكون سيفاً في يَده ليحقق أغراضه السياسية، وهو لا يستطيع، وبالحري لا يقبل إلّا أن يكون لجميع اللبنانيِّين. وهذا ما سلّط عليه ألسِنة في الداخل والخارج، أراد أصحابها أن يكون طوع بنانهم في تصفية حسابات ضيّقة تحت عنوان السيادة. كذلك لم ينجُ من سهام الذين أرادوا له أن يتعامى عن المتغيّرات التي حصلت في العالم والمنطقة، وأن يبقى في دائرة ثوابت طرأ عليها كثيرٌ من التبدُّل على إيقاع ما أفرزته الحرب من معطيات جديدة. كثيرون هم الذين ما زالوا يتعاطون مع رئيس الجمهورية في مرحلة ما بعد “اتفاق الطائف” وكأنّه لا يزال في ما قبلها، ويعتقدون أنّه “السوبرمان” الخارق الذي يفرض فيُستجاب له، ويأمر فيُطاع. رؤساء ما قبل “الطائف” لم تُجدِهم الصلاحيات في تثبيت قواعد حُكمهم على النحو الذي شاؤوا إرساءه، فخاب رهان معظمهم، لئلّا نقول جميعهم، فما استقرّ عهد وما استمرّ من دون مطبّات ومعوّقات وحروب. وهو أمر معروف، موثّق، وندي في الذاكرة الجمعية للبنانيِّين، ولا مجال لإنكاره. غبار الحرب الإسرائيلية على لبنان، وشلّالات الدم، وركام الدمار، والأشجار المعمّرة المحروقة، والحقول المثمرة المتفحّمة جنوباً، بقاعاً، وصولاً إلى الضاحية، استنفدت من الرئيس عون كل الجهد، وحتّمت عليه أن يَسير مستقيماً بين الخطوط المتعرّجة، وهي لا تزال تُشكّل العائق أمام الإنطلاقة الموعودة والواعدة للعهد في الحقول المالية والاقتصادية والإدارية والإعمارية. وعلى رغم من تصويب من هنا واستهداف من هناك، وعلامات استفهام من هنالك، فإنّ الرئيس عون يعمل بصبر وصمت يخرج عنه أحياناً، ليوجّه رسالة معيّنة عندما يرى ضرورة لذلك، من دون أن يلبس القفازات ويعتمد المواربة. وبانت واقعيّته في طريقة تعامله مع شركائه في الحُكم، مع احترامه لمبدأ فصل السلطات، في اعتباره رئيس الدولة. فهو ليس مع دمج السلطات، ولا يرى سبباً في إحياء “الترويكا”، لكنّه يرى في تعاون السلطات وتكاملها في أداء موحّد تجاه التحدّيات الكبرى، واجب وجود يقي البلاد ويمنع بقاءها في مدار التجاذب. من هنا لاحظ المتابعون لحركة العهد بعد إنصرام السنة الأولى ما يأتي:

– أولاً، التناغم الظاهر بينه وبين رئيس المجلس النيابي نبيه بري، من خلال التواصل الدائم والتشاور المستمر المباشر وغير المباشر حول كثير من الملفات المتعلّقة بالوضع جنوباً، وسائر الملفات الحيوية المحالة على المجلس النيابي. ونادراً ما حملت المعلومات، أنّ تباعداً قام بين الرجلَين اللذَين تعاهدا على استبعاد أي سبب للخلاف، وإذا وجد هذا السبب، فالوقت والحوار المستدام يتكفّلان بحلّه.

– ثانياً، كان للتعاون بينه وبين رئيس الحكومة نواف سلام، على رغم من بروز تعارض في وجهات النظر حيال بعض الموضوعات، أثره في تسيير شؤون الدولة وعدم “كربجتها”، وإنّ هذا التعاون مقبول، على أنّ هناك تفاهماً على أن لا تكون الخلافات حول هذا الملف أو ذاك سبباً لأي توتر بين رئيس الجمهورية ورئيس السلطة التنفيذية.

– ثالثاً، بخلاف ما يحاول البعض الإيحاء به، فإنّ علاقة الرئيس عون بـ”حزب الله”، هي علاقة جيدة مباشرة وغير مباشرة، يسودها منطق المصارحة، وعدم الإلتفاف حول أي مشكلة مطروحة. ولا تعوز رئيس الجمهورية شجاعة قول ما يُريد قوله في أي مسألة تُعرَض عليه. وهو ينظر إلى الحزب كقوّة سياسية تمثيلية في طائفتها الشيعية الكبرى لا يسعى إلى تجاوز حضورها. لكنّه يحاوره بصراحة، وبلا عقد، ويصدقه القول، ويُسدي له النصح. كما يستمع إليه، وذلك من منطلق حرصه على سيادة لبنان ووحدة أرضه، وتقدّم منطق الدولة على أي منطق آخر. وهو لا يجاري مَن يدعوه ويدفعه إلى التصادم، واعتماد القوّة معه في موضوع السلاح، وهو ابن المؤسسة العسكرية التي تعرف واقع الأرض تماماً، ولا تركب المركب الخشن في مغامرات غير محتسبة العواقب.

– رابعاً، إنّ التناغم مع قيادة الجيش والتفاهم الذي يسود علاقة الرئيس عون بها هما صمام أمان في هذه المرحلة الدقيقة التي تبدو فيها أي هفوة مكلفة جداً. ومن هنا كانت مبادرة الرئيس عون إلى دعم قائد الجيش العماد رودولف هيكل والمؤسسة العسكرية عندما تعرّضا لحملة ظالمة من جهات في الإدارة الأميركية، سرعان ما انحسرت بفعل المظلة الرئاسية وتأييد اللبنانيِّين لهذه المؤسسة الوطنية.

– خامساً، محاولة إرساء توازن معيّن ودقيق بين القوى السياسية في لبنان. وحققت هذه السياسة تقدّماً على غير مستوى وصعيد، وإن مرّت بمطبات عابرة أو غُبّ الطلب مع قوى في الوسط المسيحي، وهذا ليس بأمر جديد. فرؤساء الجمهورية السابقين مرّوا بمثل هذا الوضع. لكن لم يُسجّل وجود أي اتجاه نحو المكاسرة المباشرة أو المقنعة في شكل نافر حتى الساعة.

يواجه الرئيس عون في مطلع السنة الثانية من ولايته تحدّيات كبيرة، منها مشروع قانون الفجوة المالية، وقلق الناس على ودائعهم وجنى أعمارهم، إجراء الانتخابات النيابية في مواقيتها وحل التباينات العميقة حيال القانون الذي يجب اعتماده لإمرار هذا الاستحقاق المهمّ، العمل على إطلاق عجلة التعافي الاقتصادي. لكنّ التحدّي الأكبر هو في إعادة الإعمار الذي سيكون مؤشراً إلى عودة الاستقرار والإزدهار، وعودة الاستثمارات إلى البلاد من الباب العريض، والانتقال بلبنان من حال إلى حال. لأنّ إعادة الإعمار ستكون بوابة مرحلة جديدة لتحقيق النهوض الاقتصادي، وتوفير فرص العمل. لكنّ ذلك لا يعود إلى إرادة اللبنانيِّين فحسب، بل إلى معطيات دولية – إقليمية معنية مباشرة بالموضوع. وإذا شئنا أن نورد بعض الملاحظات، فيمكن القول بأنّه في الوقت الذي يخطو رئيس الجمهورية خطوات واسعة إلى الأمام، نجد بعض الوزراء قاصرين عن اللحاق به على رغم ممّا يُحيطون به أنفسهم من هالة، وأنّ هناك أجهزة إدارية ومالية لا تزال بطيئة الإستجابة مع المصالح اليومية الملحّة للمواطنين، وكأنّ عدوى “الدينامية” الرئاسية لم تنتقل إليهم. وسنأتي على تبيان ذلك قريباً.

إنّ السنة الأولى من ولاية الرئيس عون كانت مُرضِية، بل جيدة على وجه الإجمال، تمكّن خلالها من مواجهة كثير من التحدّيات “الثقيلة الوزن” التي تنؤ بها المناكب الأعرض، واستطاع الثبات. ولا يزال أمامه كثير لإنجازه، وهو يتسلح بالأمل. وقديماً قال الشاعر: “ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”.