Beirut weather 18.41 ° C
تاريخ النشر February 18, 2026
A A A
عندما تمحو الضرائب مفاعيل زيادة الرواتب
الكاتب: فؤاد بزي

كتب فؤاد بزي في “الأخبار”:

لم تنجح الحكومة في سحب فتيل إضرابات موظفي القطاع العام بقرار منح ستة رواتب إضافية للعاملين فيه، بل فتحت على نفسها، عبر سلّة الرسوم والضرائب التي أقرّتها في جلسة 16 شباط، باباً واسعاً لتحركات مطلبية تشمل إلى جانب الموظفين من إداريين وأساتذة ومتقاعدين، كلّ المتضرّرين من هذه الزيادات، أي عموم الشعب اللبناني.

مجلس الوزراء منح الموظفين والعاملين في القطاع العام، بمختلف مسمّياتهم، ستة رواتب إضافية تُضاف إلى الرواتب الـ13 التي يتقاضونها حالياً، ما يجعل أساس راتب الموظف مضاعفاً 19 مرة. ومثالاً على ذلك، فإن أساس راتب أستاذ التعليم الأساسي يبلغ مليونين و200 ألف ليرة، أي نحو 24 دولاراً.

وبعد مضاعفته 19 مرة يصبح 456 دولاراً. ولتعويض الفارق، تدفع الدولة أيضاً «بدلات مؤقتة» على شكل «بدل بنزين» تتراوح قيمتها بين 12 مليون ليرة لموظف الفئة الخامسة و24 مليوناً لموظف الفئة الأولى، إضافة إلى «بدل مثابرة» يبدأ من 17 مليون ليرة للفئة الخامسة ويصل إلى 25 مليوناً للفئة الأولى. وبذلك يصبح راتب أستاذ التعليم الأساسي نحو 840 دولاراً في حال إقرار الرواتب الستة الإضافية.

في المقابل، وجدت الحكومة أن تمويل هذه الزيادة يتم عبر سلّة ضرائب ورسوم. وقد باشرت الحكومة استيفاء الرسوم الجديدة من صبيحة يوم أمس (الزيادة على سعر البنزين)، لكنها أجّلت تطبيق الزيادة على رواتب الموظفين والعاملين في القطاع العام حتى بداية آذار المقبل، وربطت بينها وبين إقرار مجلس النواب للزيادة على الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1%.

إلا أنّ أثر هذه الضرائب والرسوم ينعكس مباشرةً في السوق على الأسعار والقدرة على الاستهلاك. وأول المتغيّرات كانت تعرفة «السرفيس» التي رفعها عدد من السائقين 100 ألف ليرة، ما نسبته 50% إضافية، لتصبح تعرفة نقل الراكب داخل بيروت 300 ألف ليرة. وبعكس ادعاءات رئيس الحكومة نواف سلام بأنّ «الضريبة على القيمة المضافة تطاول شريحة الأغنياء فقط»، فإن هذا النوع من الضرائب يطاول جميع المستهلكين من دون تمييز، وهذا ما يعرفه أي تلميذ في الصف الثانوي الثالث فرع الاجتماع والاقتصاد، ويعرف بأنّه يحصل عبر التاجر، ويستهدف استهلاك السلع والخدمات.

هل حصل الموظفون على مطالبهم؟
ببساطة كلا، والشارع على موعد مع تصعيد جديد قبل نهاية شباط الجاري. على الأقل هذا ما يؤكده العميد المتقاعد شامل روكز الذي قال لـ«الأخبار» أنّ المتقاعدين العسكريين، «يعارضون طريقة عمل الحكومة في جمع الموارد لتحسين الرواتب، فالرسوم على المحروقات ورفع الضريبة على القيمة المضافة أمور مؤذية لعامة الناس». ويرى أن الحكومة نكثت بالوعود للعسكريين المتقاعدين.

فيذكر أنّ الاتفاق مع الحكومة في جلسة مناقشة الموازنة قضى بـ«رفع راتب العسكريين والموظفين ليصبح مساوياً لنسبة 50% من ما كان عليه عام 2019». ولكنّهم أجّلوا البحث في هذه النقطة إلى شهر آذار المقبل، علماً أنّ الاتفاق كان يقضي بتصحيح مسار الرواتب قبل نهاية شهر شباط. والنتيجة بحسب روكز: «لا حل إلا الشارع إن لم نصل إلى حقوقنا».

هذا الموقف أجمعت عليه روابط الموظفين في القطاع العام، ونقابات النقل البرّي التي قام أعضاؤها من سائقي سيارات الأجرة بقطع الطرقات بشكل غير منظم في أكثر من منطقة. ومن المتوقع أن تبدأ اليوم حركة الإضرابات في القطاع العام بالتصاعد. فالموظفين غير راضين عن الزيادات أيضاً، أو عن الطريقة التي اعتمدتها الحكومة لتمويلها. أما الأساتذة، وبمختلف فئاتهم، يريدون مضاعفة الراتب 37 مرّة. ويقول رئيس رابطة أساتذة التعليم المهني والتقني فاروق الحركة، «إنه أمر ممكن، لأن الأستاذ يتقاضى اليوم، مع الزيادات، راتباً مضاعفاً 25 مرّة».

أما موظفو الإدارة العامة، فينفذون إضراباً يومي الخميس والجمعة، ويطالبون بصرف 10 رواتب إضافية بشكل فوري ومن دون انتظار إقرار القوانين المجحفة، وفقاً لبيانهم، فضلاً عن طلب حصر الدوام بأربعة أيام عمل أسبوعياً.

إقفال بيروت أمام المتظاهرين
في استعادة لمشاهد تعامل السلطة السياسية مع المتظاهرين عام 2019، أعاد رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يقدم نفسه على أنه وليد حراك 17 تشرين، التأكيد بأنّه ينتمي إلى المؤسسة العميقة في لبنان.

فما إن أعلنت مجموعات شبابية عن استعدادها للتظاهر في ساحة رياض الصلح، حتى نشرت القوى الأمنية عناصرها في كلّ الطرقات المؤدية إلى السرايا الحكومي، وأعادت تركيب الأسلاك الشائكة لإقفال شارع المصارف، حيث توجد وزارة المالية، فضلاً عن إعادة تركيب البوابة الحديدية التي تمنع الناس من الوصول إلى ساحة النجمة، حيث مجلس النواب من جهة بلدية بيروت، في إعادة استخدام للأدوات ذاتها التي يروّج سلام أنّه أتى للتخلص منها.

وزير المال لا يعرف تفاصيل القطاع العام
قال وزير المال ياسين جابر في مؤتمره الصحافي أمس، والذي عقده للدفاع عن خطته القاضية بزيادة الضرائب والرسوم، جملة من الأمور المستغربة، أهمّها أنّ الرواتب والأجور تشكل نسبة 50% من موازنة عام 2026. ولكن بالعودة إلى أرقام الموازنة يظهر أنّ بند المخصصات والرواتب يشكل نسبة 6.3% من إجمالي الموازنة، بقيمة تصل إلى 361 مليون دولار، وبند معاشات التقاعد يشكل نسبة 11% من إجمالي الموازنة، إذ تصل قيمة المعاشات التقاعدية التي تدفعها الدولة سنوياً إلى 618.7 مليون دولار.

وحاول جابر في مؤتمره الصحافي التعمية عن الحقائق للوصول إلى استنتاج بأنّ موظفي القطاع العام لن تضرهم زيادة الرسوم على صفيحة البنزين، إذ قال حرفياً «كلّ موظفي القطاع العام يأخذون صفائح بنزين».

وهنا يبدو أنّ جابر غير مطّلع على دقائق المرسوم 13020 الذي يعطي الموظفين «بدل صفائح بنزين»، لا صفائح حقيقية، وفي الفقرة الثانية من المادة الأولى من هذا المرسوم حدّد ثمن صفيحة البنزين الذي يتقاضاه الموظف في راتبه، وهو مليون و500 ألف ليرة، ما يعني أولاً بأنّ الموظف لا يستفيد من صفائح بنزين عينية، وثانياً رفع الرسوم على الصفيحة يؤدي إلى انخفاض قيمة راتبه.

أما بالنسبة إلى المنح المدرسية، فيجب تذكير جابر بضرورة الاطلاع على تعاميم تعاونية الموظفين المتعلقة بالمنح التعليمية لأنّ موظفي القطاع العام لا يحصلون على منحة تعليمية نسبتها 100%، بل تدفع لهم تعاونية موظفي الدولة مقطوعة تراوح قيمتها من 119 مليون ليرة للتلميذ في المدرسة الخاصة في المرحلة الابتدائية، إلى 200 مليون ليرة للتلميذ في المرحلة الثانوية.