Beirut weather 12.43 ° C
تاريخ النشر January 9, 2026
A A A
عام على عهد الرئيس جوزاف عون: تثبيت الدولة بين الممكن والمؤجَّل
الكاتب: بشرى سعد - موقع المرده

شكّل انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية محطة مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة اللبنانية، في لحظة وطنية بالغة الدقة، تراكمت فيها الأزمات الاقتصادية والمؤسساتية، وترافقت مع تحديات أمنية وسيادية غير مسبوقة. جاء الانتخاب بعد فراغ طويل، وفي ظل مخاوف حقيقية من انهيار شامل، ما حمّل العهد منذ يومه الأول سقفًا عاليًا من التوقعات، وربما الرهانات.

بعد مرور عام على انطلاق العهد، يمكن القول إن الرئاسة نجحت في تثبيت اتجاه واضح، عنوانه إعادة الانتظام إلى الدولة، واستعادة دور المؤسسات، ومنع الانزلاق نحو الفوضى، من دون ادّعاء تحقيق معجزات في بلد منهك ومثقل بتراكمات عقود من سوء الإدارة والانقسامات.

منذ خطاب القسم، تعامل الرئيس عون مع كلمته التأسيسية بوصفها برنامج عمل لا مجرد إعلان نوايا حيث أن بنودًا أساسية بدأت تُترجم عمليًا، سواء على مستوى تعزيز منطق الدولة، أو إعادة تفعيل مؤسساتها.

داخليًا، سجّل العهد مقاربة مختلفة في إدارة التوازنات، قوامها التواصل الدائم مع مختلف المكوّنات اللبنانية، على اختلاف طوائفها وتوجّهاتها السياسية وهذا امر ضروري لتحصين السلم الأهلي في مرحلة شديدة الحساسية.

مؤسساتيًا، شهد العام الأول تعيينات وتشكيلات إدارية وعسكرية وقضائية، أعادت الحيوية إلى مفاصل الدولة، ووضعت حدًا لحالة الشغور والشلل التي أصابت الإدارات. ورغم أن هذه الخطوات لم تُنهِ أزمة الحوكمة، إلا أنها أعادت انتظامًا نسبيًا إلى العمل العام، وعزّزت دور المؤسستين العسكرية والقضائية كركيزتين أساسيتين للاستقرار وسيادة القانون.

في ملف السيادة، أكّد الرئيس عون التزامه المبدئي بحصرية السلاح بيد الدولة، ضمن مقاربة وطنية مسؤولة تراعي توازنات الداخل وتعقيدات الواقع الإقليمي. وقد تُرجمت هذه الرؤية بخطة عسكرية حققت أهداف مرحلتها الأولى، بالتوازي مع إصرار واضح على وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والمطالبة بالانسحاب الكامل وعودة المهجّرين، من دون تعريض السلم الأهلي لأي اهتزاز. غير أن هذا الملف يبقى من أكثر الملفات حساسية، ويتطلب مسارًا تراكميًا طويل الأمد، لا حلولًا سريعة.

ديمقراطيًا، شكّل إنجاز الانتخابات البلدية في موعدها رسالة سياسية ودستورية بالغة الدلالة، تؤكد احترام الاستحقاقات، في وقت شدّد فيه الموقف الرئاسي على وجوب إجراء الانتخابات النيابية في موعدها.

اقتصاديًا، ورغم عمق الانهيار، سُجّل انتظام نسبي في الأداء العام، أسهم في تحقيق حد أدنى من الاستقرار النقدي والمالي.

أمنيًا، سجّل الجيش والقوى الأمنية إنجازات لافتة في توقيف عصابات، وتحطيم البؤر الأمنية، وملاحقة تجّار المخدرات.

أما خارجيًا، فقد نجح لبنان في إعادة تنظيم علاقاته مع الدول العربية والعواصم الدولية.

في المحصّلة، يمكن توصيف العام الأول من عهد الرئيس جوزاف عون بأنه عام تثبيت الاتجاه، لا عام الإنجازات الكبرى. عهدٌ أعاد الاعتبار لفكرة الدولة، ووضع أسس انتظامها، لكنه لا يزال أمام امتحان الزمن، وقدرته على تحويل الاستقرار النسبي إلى إصلاحات بنيوية، في ظل نظام سياسي معقّد وتوازنات دقيقة. النجاح تحقق جزئيًا، أما الرهان الحقيقي، فما زال في الفصول المقبلة.