Beirut weather 23 ° C
تاريخ النشر September 25, 2026
A A A
طوفان الأقصى يحاصر إسرائيل.. نتنياهو يواجه العزلة في قاعة الأمم المتحدة..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

 

جاء خروج عدد كبير من الوفود ورؤساء البعثات من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالتزامن مع بدء رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلقاء كلمته، ليقدم صورة حقيقية وواقعية لحجم الاعتراض السياسي والدبلوماسي الدولي على سياسات الحكومة الإسرائيلية وحروبها ومجازرها في المنطقة.

 

فما إن بدأ نتنياهو خطابه حتى غادرت وفود كثيرة القاعة، قبل أن يرد قائلاً: “إذا كان هناك أي جبناء أخلاقيين آخرين لم يغادروا هذه القاعة بعد، فالرجاء أن يغادروا الآن”، وفي ذلك تعبير عن غضب نتنياهو من شكل القاعة بمقاعدها الفارغة الشعور المتنامي لديه بالعزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل.

 

 

 

ولم يأتِ ذلك بمعزل عن النقاش الذي شهدته الجمعية العامة خلال الأيام الماضية، فقد حضرت إسرائيل في خطابات ومواقف عدد من الدول، ليس بسبب الحرب العدوانية على غزة وحدها، وإنما أيضاً بسبب محاولات الاستيطان والعمليات العسكرية والاعتداءات المستمرة في لبنان وسوريا والضفة الغربية.

 

 

 

فمن قطر والأردن وسوريا وإيران إلى فرنسا وإسبانيا، تنوعت الانتقادات وصولا إلى الهجوم المباشر.

 

ركزت قطر على الحرب ضد غزة والاعتداءات الإسرائيلية في المنطقة، وحذر الأردن من الاستيطان وتداعياته على مستقبل الدولة الفلسطينية وأمن المنطقة، بينما وضعت سوريا الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية والجولان في صلب خطابها، وأكدت أن إسرائيل تستغل الظروف الإقليمية لفرض وقائع جديدة على الأرض، وان الجولان سيبقى أرضا سورية.

 

أما إيران، فوجهت انتقادات حادة إلى أميركا وإسرائيل على حد سواء، خصوصاً في سياق ما تعتبره طهران ازدواجية في المعايير الدولية بشأن الملفات النووية والأمنية في المنطقة.

 

أوروبيا، رفعت فرنسا وإسبانيا مستوى انتقاداتهما للحرب على غزة، وربطتا استمرارها بالتداعيات الإنسانية والأمنية والسياسية التي تتجاوز حدود القطاع.

 

أما في لبنان، فقد بقيَ اتفاق الإطار الهادف إلى معالجة الوضع على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية أمام اختبار التنفيذ، في ظل تعثر المفاوضات واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب.

 

وبينما يُفترض أن يقود المسار التفاوضي إلى خفض التصعيد وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت احتلالها، ظلت الوقائع الميدانية أكثر تعقيداً من التفاهمات السياسية، وهذا يُحمّل رئيس الحكومة نواف سلام الذي سيلقي كلمة لبنان اليوم أمام الجمعية العامة مسؤولية كبرى في اظهار ذلك وفي الحديث بإسهاب عن الوحشية الاسرائيلية تجاه المدنيين وعرض الصور التوثيقية أمام العالم أجمع.

 

ويكتسب مشهد قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة بعداً إضافياً بالنسبة إلى نتنياهو نفسه، في ظل استمرار تداعيات مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامه بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب على غزة.

 

وقد جعلت المذكرة تحركاته الدولية أكثر تعقيداً، إذ أصبح رئيس الحكومة الإسرائيلية يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة بينما يواجه في الوقت نفسه إجراءً قضائياً دولياً يمكن أن تترتب عليه تبعات قانونية في الدول التي تلتزم بقرارات المحكمة.

 

ولفهم ما حصل في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا بد من العودة إلى 7 تشرين الأول 2023، فـ”طوفان الأقصى” وما تلاه من حرب على غزة شكلا نقطة مفصلية في الصراع.

 

وبصرف النظر عن المواقف المختلفة من أحداث ذلك اليوم، فإن الحرب التي تلتها، بما خلفته من شهداء ودمار ونزوح واسع وتدمير ممنهج وصولا إلى الإبادة الجماعية، أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي وبدّلت الكثير من المواقف حيالها، وفتحت نقاشاً واسعاً حول الاحتلال والاستيطان واستخدام القوة والقانون الدولي، فضلا عن امتداد المواجهة إلى لبنان، وارتفاع وتيرة العمليات الإسرائيلية في سوريا، وارتباط الأمن الإقليمي برمته بمسار الحرب وتداعياتها.

 

 

 

وفي هذا السياق، كان “طوفان الأقصى” نقطة الانطلاق التي كشفت، على نحو غير مسبوق، حجم الصراع وامتداداته، ووضعت إسرائيل أمام أسئلة سياسية وقانونية وأخلاقية بات من الصعب تجاوزها، وكشفت للعالم أجمع عدوانية ووحشية ودموية إسرائيل.

 

 

 

ومن قاعة الجمعية العامة، حيث تحدث نتنياهو أمام مقاعد غادرتها وفود عديدة، بدت المسألة أكثر وضوحاً، لجهة أن المواجهة التي تخوضها إسرائيل لم تعد عسكرية فقط، بل هي أيضاً مواجهة على الشرعية، وعلى الرواية، وعلى الثقة وعلى شكل المنطقة التي ستخرج من هذه الحروب.