Beirut weather 21 ° C
تاريخ النشر October 1, 2026
A A A
طروحات أميركية متناقضة!..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

 

فرضَ التناقض الأميركي نفسه بوضوح في تعاطي الولايات المتحدة مع الملف اللبناني. فواشنطن تطالب السلطة ببسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، وتريد من الجيش أن يكون الأداة الأساسية لتحقيق ذلك، ثم تعود إلى التشكيك في أدائه من خلال مواقف تبدو غير منسجمة مع هذا الطرح.

 

 

 

ظهر ذلك بوضوح في كلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي اعتبر أن “انتشار الجيش في الجنوب غير كافٍ”، وربط أي تقدم في المسار اللبناني بنزع سلاح حزب الله، من دون أن يضع الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات ضمن الأولويات الأميركية.

 

 

 

واللافت أن موقف روبيو جاء عقب اجتماعه مع رئيس الحكومة نواف سلام، الذي حمل إلى واشنطن مجموعة من الأفكار المرتبطة بالتبادلية والمرحلية وتفعيل المسار التفاوضي.

 

وكان يفترض أن تشكل الزيارة فرصة للحصول على ضمانات أميركية تساعد لبنان على تثبيت وقف الاعتداءات وفتح الطريق أمام الانسحاب الإسرائيلي، إلا أنها فشلت في ذلك، إذ بقيت الأولوية الأميركية مركزة على ملف نزع السلاح، في مقابل غياب ضغط مماثل على إسرائيل، ولا سيما في ظل المواقف الأميركية الداعمة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى استثمار الاعتداءات وتوسيع الاحتلال في صناديق الاقتراع التي ستفتح في 27 من الشهر الجاري.

 

 

 

 

ولا شك في أن هذا الطرح الأميركي يقترب إلى حد التماهي مع الرغبة الإسرائيلية في الدفع نحو فتنة داخلية في لبنان، خصوصاً أن رفع سقف المطلوب من الجيش إلى حد نزع سلاح المقاومة بالقوة يمكن أن يحوّل المؤسسة العسكرية من عامل استقرار إلى طرف في مواجهة لبنانية داخلية.

 

 

 

وهذه خطورة تدركها السلطة اللبنانية برئاساتها الثلاث، كما يدركها الجيش نفسه، والذي تبقى أولويته في هذه المرحلة حماية السلم الأهلي ومنع الانقسام السياسي من التحول إلى صدام، في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال مساحات من الأراضي اللبنانية، وتهدد بضمها إلى الكيان، وتمارس اعتداءاتها التي تطال الجيش نفسه، كما حصل مؤخراً في دير ميماس.

 

 

 

 

وإذا كان المطلوب من الجيش أن يتحمل مسؤولية الجنوب، فمن الطبيعي أن يحصل على الدعم والغطاء اللازمين، وأن تُحمى مهمته من الاعتداءات، لا أن يُطلب منه العمل تحت النار والاستهداف، ثم يُقال: “إن أداءه غير كافٍ”.

 

 

 

كذلك فإن ملف اليونيفيل يكشف جانباً آخر من هذا التناقض. فإذا كان انتشار الجيش، وفق القراءة الأميركية، غير كافٍ، فلماذا ترفض الولايات المتحدة، ومن ورائها إسرائيل، التمديد لقوات اليونيفيل ولو لستة أشهر إضافية؟ ولماذا توضع العراقيل أمام الطروحات البديلة، ولا سيما تشكيل قوة أوروبية تحت مظلة الأمم المتحدة؟

 

 

 

المسألة، في هذا الإطار، تتجاوز مجرد تقييم أداء الجيش إلى طبيعة الدور الذي تريد واشنطن أن يؤديه في المرحلة المقبلة. فالجيش اللبناني ليس أداة لتصفية الحسابات السياسية، بل إن قوته الحقيقية تكمن في بقائه مؤسسة جامعة قادرة على حماية الاستقرار ومنع الفتنة، لا في دفعه إلى مواجهة داخلية قد تقسم البلاد وتستنزف المؤسسة العسكرية وتعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

 

 

 

وإذا كانت واشنطن تريد فعلاً تقوية السلطة اللبنانية، فإن ذلك يبدأ بدعم الجيش وتسليحه، وتوفير الظروف التي تمكّنه من أداء مهمته، وحماية انتشاره، والضغط على إسرائيل للانسحاب ووقف اعتداءاتها، بالتوازي مع معالجة ملف السلاح ضمن مسار لبناني يحفظ السلم الأهلي ويمنع الانقسام من التحول إلى مواجهة.

 

 

 

أما التشكيك في أداء الجيش، الذي يشكل صمام الأمان الأخير للبنان، فلا يخدم المؤسسة العسكرية ولا يساعدها على القيام بمهمتها، بل يحمّلها مسؤولية معركة سياسية دولية وإقليمية قد يدفع لبنان كله ثمنها.

 

في بلد شديد التعقيد والحساسيات السياسية والطائفية والمذهبية كلبنان، قد تكون المحافظة على السلم الأهلي في هذه الظروف العصيبة هي الاختبار الحقيقي لقوة الدولة، وليس إشعال مواجهة داخلية من شأنها أن تخدم التوجهات الإسرائيلية وتشرّع الأبواب أمام فتنة قد نعلم كيف تبدأ لكن أحدا لا يمكن أن يعلم كيف ومتى تنتهي..