Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر February 11, 2026
A A A
طرابلس والجنوب: حين يُهمَل الدور وتُستنزَف الكرامة
الكاتب: الوزير القاضي محمد المرتضى

كتب الوزير القاضي محمد المرتضى في “الجمهورية”

 

يؤلمني، كلبناني، أن تبقى طرابلس – وهي المدينة التي استأهلت يوماً أن تكون العاصمة الأولى بما تختزن من تاريخٍ وإشعاعٍ ودور – والعاصمة الدائمة للثقافة في لبنان، واقفةً عند تخوم الإهمال، كأنّ وهجها الثقافي والاقتصادي فائضٌ لا حاجة للوطن إليه. وليس من اليَسير، بعد عقودٍ من التهميش وما أصابها من تهشيمٍ في بناها وفرصها وأدوارها، أن يُعدّ هذا الواقع مجرّد صدفة؛ فالتكرار، حين يطول، يخرج بالإهمال من حيّز العارض إلى شبهة التعمّد، ويُثير سؤال الإرادة حيث كان يُفترض أن تكون الرعاية والإنصاف. والحال، أنّ طرابلس ما برحت تختزن من المقدّرات البشرية والحضارية والاقتصادية ما يجعلها، متى أُحسن الاستثمار فيها، رافعةً حقيقيةً للبنان: ثقافةً تُنير، واقتصادًا يُنتج، ومساحةَ عيشٍ واحدٍ تُذكّر بأنّ الوطن لا يقوم إلّا بتكامل أبنائه.

ويؤلمني، في المدى نفسه من القلب، أن يبقى جنوب لبنان – وهو عنوان كرامته الوطنية وخطّ دفاعه الأوّل – معلّقاً بين القلق والإعتداء، يواجه مصيره بصلابة ناسه أكثر ممّا يواجهه باطمئنان الرعاية الواجبة. وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا يجري، عن قصدٍ أو عن تقصير، تعرية الجنوب من أسباب مناعته وصموده، وهي الأسباب نفسها التي أسهمت في تحرير العام 2000، وأحبطت اجتياح 2006، وحمت لبنان في أشدّ مراحله قسوة، وتكسّرت عندها أمواج محاولات الاجتياح البرّي في العام 2024؟ أليس صون هذه العناصر والاستفادة منها حمايةً للوطن كلّه، لا لفئةٍ ولا لمنطقة؟

فالجنوب ليس هامشاً جغرافياً، كما أنّ طرابلس ليست هامشاً تنموياً؛ كلاهما في صلب معنى لبنان: هذه بثقافتها واقتصادها ورسالتها الوحدوية، وذاك بصموده وكرامته وحضوره الوطني. وإذا أُزيل الإهمال عن طرابلس فانطلقت طاقاتها في خدمة الوطن، وصِينَ الجنوب ومقدّراته بما يليق بتضحياته ودوره، يصبح لبنان أكثر قدرةً على استعادة عافيته، لأنّ خلاصه لا يكون إلّا بتلاقي نهضةٍ تُبنى، وكرامةٍ تُحفظ، وعدالةٍ تُصان، ووطنٍ يتّسع للجميع بقدرٍ واحد من العناية والرجاء.

رحم الله ضحايا الإهمال وشهداء الصمود، وعجّل في شفاء الجرحى وتحرير الأرض والأسرى، وألهمنا الصبر، وجعل ما يحلّ بنا من فاجعات مناسبةً للوعي والاستدراك.