Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر October 23, 2026
A A A
طرابلس التي سيُرونكم إياها ليست طرابلس التي خذلوها!
الكاتب: المحامي طنوس فرنجيه - موقع المرده

 

 

رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عشية زيارته إلى طرابلس

 

 

 

فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون،

 

صباح طرابلس… وصباح الحقيقة التي لا تُجمّلها المظاهر.

 

تكتسب زيارتكم إلى طرابلس، عاصمة الشمال ومدينة الفيحاء، أهمية تتجاوز حدود البروتوكول والاستقبالات الرسمية؛ فهي مدينة كانت، في زمنها الجميل، بوصلةً تجارية واقتصادية واجتماعية، وملتقى ثقافياً وحضارياً لأقضية الشمال، من زغرتا والكورة وبشري والبترون، إلى الضنية وعكار. وهي، بما تختزنه من موارد وطاقات بشرية ومقومات اقتصادية وبنى تحتية قابلة للتطوير، لا تزال تملك ما يكفي لاستعادة دورها ومكانتها على الخارطة الوطنية والاقتصادية، لو توافرت لها إرادة الإنقاذ وقرار الدولة.

 

لكن، يا فخامة الرئيس، ليت زيارتكم تأتي من دون هذا الترف من المظاهر الخادعة التي تستبق حضوركم، فتُرمَّم الواجهات، وتُرتَّب الباحات، وتُلمَّع المكاتب، وكأن المطلوب أن تروا ما أُعِدَّ لاستقبالكم، لا ما يعيشه الناس كل يوم.

 

إن مشهد الاستنفار لترميم وترتيب مقار الاستقبال الرسمية، من السرايا إلى قصر العدل وسائر المكاتب والباحات ذات الصلة، لا يعكس واقع المدينة، بل يحجبه. فهذه الإدارات التي تتزيّن اليوم لاستقبال فخامتكم هي نفسها التي اعتاد المواطنون والموظفون، على اختلاف مواقعهم، أن يواجهوا فيها الإهمال والاهتراء وغياب الصيانة والحلول المستدامة.

 

ولا تدع نظافة الشوارع غداً تخدعكم؛ فالنظافة التي تُستنفَر لها الإمكانات لساعات لا تُغني عن إدارة مستدامة، كما أن إخفاء أكوام النفايات لا يعني معالجة أسباب تراكمها. وما ينطبق على الشوارع ينطبق على الدوائر الرسمية وسائر المرافق العامة، حيث تتشابه مظاهر الإهمال، ويغيب التخطيط، وتتراجع أبسط مقومات الإدارة اللائقة بمدينة بحجم طرابلس وتاريخها.

 

فخامة الرئيس، إن طرابلس لم تُنهكها النفايات وحدها، بل أنهكتها أيضاً نفايات السياسة، حين دُفعت إلى حروب عبثية، وتُركت رهينة التجاذبات الأمنية والسياسية، مرةً تحت ذريعة انتظار التسويات الإقليمية، ومرةً تحت وطأة الحسابات الداخلية والاستحقاقات الانتخابية.

 

لقد دفعت المدينة أثماناً باهظة من أمنها واقتصادها ونسيجها الاجتماعي، فيما جرى التعامل مع أزماتها وكأنها ملفات مؤجلة، لا معاناة بشرية متواصلة، وكأن مصير أهلها قابل للمساومة إلى أن تنضج ظروف الآخرين.

 

ولذلك، يا فخامة الرئيس، كما لا ينبغي أن تنبهروا بما ستشاهدونه غداً من نظافة مصطنعة وحسن استقبال، لا ينبغي أيضاً أن تكتفوا بما ستسمعونه من خطابات المديح، أو بما سيُقدَّم إليكم من صور وردية عن الواقع.

 

فهل سيجرؤ أحد على مصارحتكم بأن تقاعس المسؤولين وتواطؤ بعض القوى السياسية والأمنية قد أسهما في استنزاف المدينة، وإضعاف دورها، وتعطيل قدرتها على المبادرة، بعدما كانت مدينة جامعة تحتضن تنوّع الشمال وتشكّل مساحة لقاء بين أبنائه؟

 

وهل سيخبركم أحد كيف تبدّل موقع بعض الوجوه في الحياة العامة، من مرجعيات اجتماعية ووجهاء وقادة رأي، إلى زعامات محاور ومفاتيح انتخابية وشبكات نفوذ تتحكم بمصالح الناس وأرزاقهم، فيما بقي المواطن أسير الحاجة، يبحث عن حقه عبر الوساطة، وعن كرامته عبر العلاقة الشخصية، وعن أبسط حقوقه خارج مؤسسات الدولة؟

 

إن المأساة ليست في أن تتراجع مدينة فحسب، بل في أن يُدفع أهلها تدريجياً إلى فقدان الثقة بإمكان استعادة الدولة، بعدما اعتادوا أن تُدار شؤونهم بعلاقات زبائنية صنعتها مطابخ السياسة والأمن، واستثمرت في حاجاتهم بدلاً من أن تعمل على تحريرهم منها.

 

فخامة الرئيس، ليتكم زرتم طرابلس في يوم عمل عادي، لا في عطلة رسمية؛ وليتكم تجوّلتم في شوارعها وأحيائها من دون مواكب تحجب عنكم المشهد، وجلستم إلى مواطن لا ينتظر مقابلة رسمية، ولا يملك مفتاحاً انتخابياً، ولا تربطه بمسؤول علاقة مصلحة، بل كل ما يريده أن يعيش بكرامة في ظل دولة تحميه وتخدمه.

 

هناك، بعيداً عن المكاتب المهيّأة والباحات المنظّفة والخطابات المعدّة سلفاً، ستسمعون حقيقة طرابلس: وجع أبنائها، وخوفهم على مستقبلهم، وتعب موظفيها، وضيق شبابها، وشعور أهلها بأن مدينتهم تُستحضر في المواسم وتُنسى عند اتخاذ القرارات.

 

إن طرابلس لا تحتاج إلى يوم استثنائي تتجمّل فيه أمام رئيس الجمهورية، بل إلى دولة تجعل أيامها العادية جديرة بالحياة. لا تحتاج إلى تنظيف الشوارع لمناسبة الزيارة، بل إلى إدارة تمنع تراكم النفايات. ولا تحتاج إلى ترميم المكاتب لاستقبال المسؤولين، بل إلى مؤسسات تُرمَّم فيها ثقة المواطن بالدولة.

 

وهي لا تنتظر من فخامتكم وعداً جديداً يُضاف إلى أرشيف الوعود، بقدر ما تنتظر قراراً سياسياً يعيد الاعتبار إلى دورها الاقتصادي، ويطلق مشاريعها المعطّلة، ويضع حداً لاستباحة مصالحها، ويعيد مؤسساتها إلى وظيفتها الطبيعية: خدمة الناس، لا خدمة شبكات النفوذ.

 

فخامة الرئيس،

 

إن أخطر ما أصاب طرابلس ليس ما تهدّم من أبنيتها، بل ما تصدّع من ثقة أبنائها بالدولة. وأخطر ما يمكن أن يحدث بعد زيارتكم أن تغادروا المدينة فيما تبقى صورتها في التقارير أجمل من حقيقتها، وتبقى حياتها اليومية على حالها.

 

فلتكن زيارتكم بداية مواجهة مع الواقع، لا مناسبة لتجميله؛ وبداية استعادة لطرابلس التي نريدها، لا احتفالاً بطرابلس التي يريد البعض أن يريكم إياها.

 

فالدولة لا تُقاس بما تُعدّه لاستقبال رئيسها، بل بما تقدّمه لمواطنيها في غيابه.

 

أهلاً بكم في طرابلس، فخامة الرئيس… المدينة التي لا ينقصها التاريخ، ولا الطاقات، ولا الإمكانات، بل ينقصها أن تصل إليها الدولة، كاملةً، عادلةً، وحاضرةً في حياة أهلها، لا في صور المناسبات وحدها.