Beirut weather 23 ° C
تاريخ النشر September 25, 2026
A A A
شي جين بينغ رسم خطة التسوية وبدأ تنفيذها
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

لم يذهب شي جين بينغ إلى لقاء دونالد ترامب حاملاً دعوة عامة إلى التهدئة. ذهب بخطّة لها مرجعيّة وخطوات وقنوات تنفيذ. مرجعيتها العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد؛ وخطوتها العاجلة معالجة الحصار الأميركي وإغلاق مضيق هرمز بإجراءات متبادلة؛ وقنواتها اتصالات بكين مع الأطراف المعنية والتفاوض الأميركي الإيراني غير المباشر الذي تيسّره قطر. وعندما أعلنت “شينخوا”، بعد محادثات الرئيسين، أن شي دعا إلى العودة للمذكرة واستئناف التفاوض وصولاً إلى اتفاق شامل، كانت تعلن سقف الخطة في لحظة بدأ فيها اختبارها على الأرض الدبلوماسية. هذه قراءة لما يجمع الوقائع، لا إعلاناً عن وثيقة أميركية صينية مشتركة لم تصدر.

 

تكمن قوة الإشارة الصينية في توقيتها. فقد سبق لبكين أن دعت إلى العودة لمذكرة إسلام آباد، لكن تكرار الدعوة بعد عرضها على ترامب يحمل معنى آخر. الصين حريصة على نجاح القمة، ولا يُرجّح أن تختار عنواناً بهذه الحساسيّة لتثبيته في روايتها الرسميّة عن اللقاء لو انتهى النقاش إلى رفض أميركي قاطع. لذلك يبدو إعلان “شينخوا” أقرب إلى كشف المرجعيّة المقبولة لمواصلة البحث. وما لا نعرفه بعد هو مقدار الاتفاق على ترتيب الخطوات ومواعيدها، لأن ترامب اكتفى بعد اللقاء بوصف المحادثات بأنها «رائعة»، ولم يشرح موقفه من المذكرة.

 

للخطة الصينية تسلسل يسبق القمة. في الثامن من أيلول، بحث وانغ يي في بكين مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني حرية الملاحة والطريق إلى اتفاق شامل. وفي السادس عشر منه، استقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ودعا واشنطن وطهران إلى العودة لمذكرة إسلام آباد لإجراء مشاورات جدّية. ثم تناول وانغ يي وماركو روبيو الوضع في الشرق الأوسط في اتصال سبق لقاء الرئيسين. بهذا الترتيب، سمعت بكين من قناة الوساطة القطريّة ومن إيران، واتصلت بالجانب الأميركيّ، قبل أن يحمل شي عنوان المذكرة إلى ترامب. لا تكشف البيانات تفاصيل ما اتُّفق عليه في تلك الاتصالات، لكنها تُظهر إعداد المسرح السياسي للقمة.

 

أدّت باكستان دورها في تأسيس المرجعيّة التي تتمسك بها الصين. فمذكرة إسلام آباد وُلدت من وساطة شاركت فيها، وعادت باكستان إلى طرحها إطاراً لاستئناف الحوار. وفي نيويورك تولّت قطر تيسير الاتصال غير المباشر بين عباس عراقجي ومبعوثَي ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. هنا تنتقل الخطة من مستوى الدعوة إلى مستوى العمل: عنوان تفاوضي معروف، ووسطاء ينقلون المواقف، وطرفان عادا إلى تبادل الرسائل بعد تعثر المسار السابق.

 

تبدو الخطوة الأولى في هذه الخطة أوضح من بقيّة مراحلها. فقد نقلت رويترز عن مصادر مطلعة على اتصالات نيويورك بحثَ ترتيب تدريجي يربط إعادة فتح مضيق هرمز برفع الحصار الأميركي عن إيران، مع إمكان معالجة ملف الأموال الإيرانية المجمّدة. هذه ليست تسوية الحرب كاملة، لكنها تعالج العقدة التي تمنع الانتقال إليها، لا تريد إيران التخلّي عن ورقة المضيق فيما يستمر حصارها، ولا تريد واشنطن رفع الحصار من دون عودة الملاحة. لذلك تصبح الخطوات المتبادلة جسراً من مواجهة الإرادات إلى تفاوض على التنفيذ. أما الاتفاق الشامل، بما فيه الملف النوويّ وسائر القضايا، فهو الأفق الذي سمّاه البيان الصيني نفسه.

 

كان ترامب يريد من شي دوراً صينياً في الملف الإيراني، وفق ما نقلته الصحافة الأميركية عن أهداف واشنطن في القمة. وجاء جواب بكين العلني على هيئة طريق سياسيّ، لا تعهّد بالضغط على طهران وحدها. فدعوة الطرفين إلى مذكرة سبق أن وقّعاها تعني أن على كل منهما أن يعود إلى التزاماته، وأن تُبحث الملاحة والحصار ضمن تسوية تحفظ إمكان الاتفاق الدائم. هكذا تمارس الصين نفوذها، تحدّد المرجعيّة، تتحدّث إلى الأطراف، وتترك للوسطاء إدارة الخطوات الأولى.

 

بهذا المعنى، لا ننتظر إعلاناً احتفالياً جديداً لنعرف أن المسار بدأ. الاتصالات سبقت القمة، والتفاوض غير المباشر عاد في نيويورك، والصين سمّت بعد لقاء ترامب المرجعيّة التي تريد أن تحكمه. لكن نجاح الخطة لم يُحسم، سوف يقاس بقدرة واشنطن وطهران على تحويل البحث في فتح مضيق هرمز وفق الاتفاق العماني الإيراني، مقابل رفع الحصار ورفع الحظر عن الأصول المجمّدة وإلغاء الحظر عن بيع النفط الإيراني، لستين يوماً على الأرجح يجري خلالها التفاوض على سائر البنود، خصوصاً وقف الحرب على كل الجبهات والملف النووي طلباً لاتفاق شامل، والسؤال هو حول قدرة واستعداد واشنطن للضغط على حليفيها الإسرائيلي والسعودي للانخراط في حلول تبدو خيارات مرّة لهم؟

 

لدى الصين الكثير مما تريده أميركا، خصوصاً في المعادن الثمينة، وسلاسل التوريد، كجوائز على الطاولة، وبالمقابل لا تبدو الحرب خياراً مرغوباً بحجم ما يترتب عليها من أكلاف بلا نتائج مضمونة، فيما يُصاب بالذعر من مخاطر انفجارات اجتماعية على إيقاع ارتفاع أسعار الديزل والبنزين، ولعل رفض ترامب الانخراط في حرب اليمن أول تسليم من نوعه بأن تحوّلاً قد جرى يجب أخذه في الحساب ولم يعد ممكناً تغيير الاتجاه بعده، والتحول جرى في باب المندب.