Beirut weather 19.1 ° C
تاريخ النشر April 2, 2026
A A A
سيناريو التقاء «هرمز» و«باب المندب»: كمّاشة استراتيجية في انتظار الغرب
الكاتب: لقمان عبدالله

كتب لقمان عبدالله في الأخبار 

على الرغم من التهديدات الأميركية المتكرّرة بفتح مضيق هرمز بالقوة في حال امتنعت إيران عن تلبية هذا المطلب طوعاً، تُبدي القيادة الإيرانية تمسّكاً واضحاً بسياسة «التحكّم المُقنّن» بحركة الملاحة، وذلك عبر تشديد الرقابة على مرور سفن الدول التي تعتبرها معادية. وتنطلق طهران، في سياستها تلك، من قناعة راسخة بأن أيّ عمل عسكري، حتى لو تطلّب تقدّماً برياً عميقاً داخل الأراضي الإيرانية، لن يكون كافياً لتغيير معادلة السيطرة الفعلية على المضيق.

ولا تقتصر هذه القناعة على الجانب الإيراني، بل تسود أيضاً العواصمَ الغربية، وفي مقدّمتها واشنطن؛ وهو ما يفسّر التردّد الأميركي في الذهاب نحو خيار عسكري واسع، إلى جانب مساعي الرئيس دونالد ترامب المتكرّرة لحشد دعم من حلفائه في حلف «الناتو»، والتي قوبلت برفضٍ واضح. فالدول الأوروبية، لأسباب استراتيجية واقتصادية وأمنية، تدرك أن كلفة أيّ مواجهة عسكرية في هذا الممرّ الحيوي قد تكون باهظة وغير مضمونة النتائج.

 

ويعزّز الانطباعَ بعدم نجاعة الخيار العسكري، ما شهدته الساحة اليمنية في إطار معركة إسناد غزة، حيث أدارت صنعاء حركة الشحن في مضيق باب المندب بقدْر عالٍ من الانضباط والفعّالية. كما فرضت حصاراً كاملاً على السفن الإسرائيلية أو تلك المرتبطة بها، ووسّعت إجراءات الضغط لتشمل الناقلات الأميركية والأوروبية، وذلك على خلفية مواقف تلك الدول الداعمة للحرب على غزة. وفي المقابل، سُمح بمرور سفن دول أخرى كالصين وروسيا وعدد من الدول النامية؛ علماً أن واشنطن اتّهمت صنعاء بفرض رسوم مالية على بعض شركات الشحن غير المرتبطة بإسرائيل لقاء السماح لها بالعبور، في ما اعتُبر جزءاً من عملية توظيف الممرّات البحرية كورقة ضغط سياسية واقتصادية.

 

وتتشابه تلك الوقائع مع الضغوط التي تُمارَس اليوم على طهران، سواء لجهة استحضار العناوين الإنسانية والأخلاقية أو عبر التهديدات اللفظية المتصاعدة، وهي أدوات سبق أن استُخدمت في الحالة اليمنية من دون أن تفضي إلى نتائج حاسمة، إذ لم ينجح الغرب، وقتذاك، في بلورة موقفٍ موحّد لمعالجة أزمة باب المندب؛ وفي حين بادرت الولايات المتحدة إلى تشكيل ما عُرف بـ«تحالف حارس الازدهار»، مروّجةً لإمكانية فرض فتح الممرّ بالقوة، بما في ذلك تنفيذ ضربات جوية داخل الأراضي اليمنية، اتّجه الاتحاد الأوروبي إلى مسارٍ موازٍ عبر إطلاق بعثة «أسبيدس»، الهادفة إلى تأمين الملاحة ومرافقة السفن وصولاً إلى قناة السويس، من دون الانخراط في ضربات داخل الأراضي اليمنية.

 

واللافت في الحالة اليمنية، أن قوات صنعاء لا تسيطر مباشرة على الساحل في باب المندب؛ إذ إن أقرب نقطة إلى تمركز قواتها تبعد نحو مئة كيلومتر، فيما تسيطر على هذا الشريط الساحلي فصائل «حراس الجمهورية» بقيادة طارق صالح. وعلى الرغم من الفارق الكبير في القدرات بين طهران وصنعاء، فإن هجمات الأخيرة على السفن التي حاولت خرق الآليات المفروضة من جانب اليمن، لم تقتصر على نطاق مضيق باب المندب، بل امتدّت إلى خليج عدن، على بُعد مئات الكيلومترات من مناطق تمركز «أنصار الله»، حيث جرى استهداف وإغراق عدد من السفن. كما طاولت العمليات بحر العرب قبالة حضرموت، والذي استُهدفت فيه سفينة مرتبطة بإسرائيل على مسافة تزيد على 500 كيلومتر من أقرب نقطة انتشار، فضلاً عن العمليات في البحر الأحمر ضمن نطاق التماس المباشر.

ومع إخفاق تحالف «حارس الازدهار» الأميركي وبعثة «أسبيدس» الأوروبية في تحقيق أهدافهما في كسر الحصار المفروض على إسرائيل، قبِل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشكلٍ مفاجئ، بخيار التفاهم مع صنعاء، من دون أن يشمل ذلك إسرائيل، في ما عُدّ مؤشراً إضافياً إلى محدودية فعّالية الخيار العسكري في مثل هذه النزاعات المركّبة. وهكذا، انتهت «حرب الإسناد» اليمنية مع توقّف العدوان على غزة، لتبرز صنعاء إثرها بوصفها قوةً عسكرية صاعدة في الإقليم، متحدّيةً معظم التقديرات التي راهنت على محدودية تأثيرها. فهي استعرضت قدرات عسكرية متقدّمة، وإن بقيت ضمن سقفٍ معيّن، ونجحت في فرض حضورها، على الرغم من أن أكثر من ثلثي الأراضي اليمنية لا تزال خارج سيطرتها.

 

من هنا، يُطرح السؤال: إذا كانت هذه هي نتائج تجربة اليمن بإمكاناته المحدودة نسبياً، فكيف يمكن أن تكون المعادلة في حالة إيران، بما تمتلكه الأخيرة من قدرات عسكرية أكبر، ومساحة جغرافية أوسع، وكتلة سكانية أكثر تماسكاً؟ بل كيف ستتغيّر موازين القوى إذا شهدت المعركة تقاطعاً أو تنسيقاً عالياً بين طهران وصنعاء وبقية أطراف محور المقاومة؟ الأكيد إلى الآن أنه في حال تمّ تجاوز الخطوط الحمر، فإن الممرّات البحرية الحسّاسة، كمضيق باب المندب ومضيق هرمز، قد تتحوّل إلى «كماشة» استراتيجية، بما من شأنه تعميق أزمة الطاقة والتجارة العالمية، وتشديد الضغوط على القوى القائدة للعدوان.