Beirut weather 20.77 ° C
تاريخ النشر April 22, 2026
A A A
سليمان فرنجيه.. رجلٌ في زمنٍ قلّ فيه الرِجال
الكاتب: الياس مخايل المر أمين عام الاتحاد المشرقي الأرثوذكسي

 

 

في زمنٍ تتبدّل فيه المواقف أسرع من تبدّل التحالفات، يبرز سليمان فرنجيه كاستثناء نادر في الحياة السياسية اللبنانية. ليس لأنه خارج الصراع، بل لأنه اختار أن يخوضه من موقع الثبات لا التقلّب، ومن منطق الوفاء لا الانقلاب. منذ العام 2004، ومع العواصف التي ضربت لبنان بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، بقي فرنجية على خطه، لم يُبدّل، ولم يُساوم على ثوابته، حتى حين كانت الأكلاف السياسية باهظة.

 

في السياسة اللبنانية، حيث تغلب البراغماتية أحيانًا على المبادئ، يُحسب لفرنجية أنه لم ينخرط في ثقافة “الغاية تبرر الوسيلة” المرتبطة بفكر مكيافيلي. على العكس، اختار مسارًا مختلفًا، قوامه الصراحة والوضوح، حتى عندما لم تكن هذه الخيارات هي الطريق الأسهل إلى السلطة. لم يُجامل على حساب قناعاته، ولم يطعن ليصل، بل فضّل أن يخسر موقعًا على أن يخسر ذاته السياسية.

 

لقد كان قريبًا من بعبدا أكثر من مرة، رئيسًا “مع وقف التنفيذ” بانتظار توافقات لم تنضج، والآن تأكدنا لماذا لم تنضج، ومع ذلك، لم يتحوّل هذا التعطيل إلى نقمة، ولا إلى سلوك انتقامي. لم يثأر ممن خذلوه، ولم ينقلب على تحالفاته، بل استمر في التعاطي بهدوء سياسي نادر، وكأن السلطة بالنسبة إليه وسيلة لخدمة مشروع، لا غاية بحد ذاتها.

 

تحمل ظلم الأقربين قبل الابعدين، وجحود من وقف وجلس الى جانبهم واعطاهم من ذاته، نفخ تكتلاتهم وزادها قيمة ووزناً، أشهر زعامتهم المسيحية على مستوى الوطن فلحقوا به لينافسوه على زعامته في زغرتا، غافلين أو متجاهلين أن زعامة فرنجية الوطنية عابرة للمنطق والمذاهب والحدود، زعامة تلامس القلوب والوجدان، كيف لا وهو ولي الدم الذي امتثل بالمعلم الأكبر السيد المسيح وقال لهم “اغفر لهم يا أبتاع ولو كانوا يعلمون”.

 

في زغرتا، تتجلى خصوصية هذه التجربة. فزعامة فرنجية ليست مجرد أرقام في صناديق الاقتراع، بل حضور متجذّر في الوجدان الشعبي. هناك، يُنظر إليه كامتداد لتاريخ سياسي، وكصاحب مدرسة تقوم على التسامح والتعالي على الجراح. في لحظات الاحتقان، رفع شعارًا واضحًا: قد يُظلم الإنسان في حقه السياسي أو الشخصي، لكن لا يُسمح بأن تُسفك قطرة دم في الشارع المسيحي. بهذا المعنى، تحوّلت مواقفه إلى عنصر تهدئة في بيئة لطالما كانت قابلة للاشتعال، ومدرسة وطنية تخرّج أجيال تؤمن بأن بالتسامح لا النسيان يوقف الدم، وليس بالدم.

 

وطنيًا، يقدّم فرنجيه نموذجًا لسياسي يجمع بين الانتماء الماروني والبعد العروبي، دون أن يرى في أحدهما نقيضًا للآخر. هذه الثنائية، التي تبدو معقدة في السياق اللبناني، تحوّلت لديه إلى مساحة توازن، تُعيد وصل لبنان بعمقه، وتحفظ في الوقت نفسه خصوصيته. من هنا، يمكن فهم تموضعه السياسي كجزء من رؤية أوسع، تتجاوز الحسابات الآنية إلى قراءة أشمل لموقع لبنان في محيطه.

 

غُدر به ولم يغدر، وطُعن ولم يطعن. وبين هذه المعادلة الصعبة، حافظ سليمان فرنجيه على صورة السياسي الذي لا يتبدّل مع الرياح. قد يختلف معه كثيرون في الخيارات، لكن يصعب إنكار أن ثباته، في زمن التحوّلات الحادة، بات بحد ذاته قيمة سياسية نادرة في لبنان.