Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر July 21, 2026
A A A
زيارة عون إلى واشنطن… بين اختبار النوايا الأميركية وتنفيذ التعهدات..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

تأتي زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى الولايات المتحدة ولقائه المرتقب اليوم مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ظل ظروف بالغة التعقيد، يتقاطع فيها التصعيد الإسرائيلي مع جمود مسار المفاوضات، وتعثر تنفيذ الالتزامات المتعلقة بوقف إطلاق النار والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.

 

لذلك، لا يمكن النظر إلى هذه الزيارة باعتبارها محطة بروتوكولية أو دبلوماسية عادية، بل تشكل محاولة لاختبار مدى استعداد الإدارة الأميركية للانتقال من موقع الداعم لإسرائيل إلى موقع الضاغط عليها لتنفيذ التعهدات التي سبق أن التزمت بها.

 

 

 

 

تُمسك الولايات المتحدة بجزء أساسي من مفاتيح الأزمة اللبنانية، سواء من خلال دورها في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار التي تشكلت عقب اتفاق 24 تشرين الثاني 2024، أو عضويتها في اللجنة المنبثقة عن مفاوضات إسلام أباد، أو عبر تأثيرها المباشر على القرار الإسرائيلي.

 

من هنا، فإن أي تقدم في الملفات العالقة، من الانسحاب الإسرائيلي إلى تثبيت وقف النار وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، يبقى مرتبطاً بمدى استعداد واشنطن لممارسة نفوذها على حكومة بنيامين نتنياهو.

 

 

 

يحمل الرئيس عون إلى البيت الأبيض رؤية الدولة اللبنانية ومطالبها، وفي مقدمتها استعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات الإسرائيلية.

 

 

إلا أن نجاح هذه المهمة لا يتوقف على ما سيطرحه رئيس الجمهورية فحسب، بل على طبيعة القرار الأميركي، وما إذا كانت الإدارة الأميركية مستعدة لإحداث تحول في مقاربتها، أم أنها ستواصل منح إسرائيل هامشاً واسعاً للمناورة السياسية والعسكرية.

 

 

 

التجربة خلال الأشهر الماضية لا تدعو إلى كثير من التفاؤل. فالتعهدات التي رافقت اتفاق وقف إطلاق النار أواخر العام 2024 لم تُترجم عملياً، فيما استمرت إسرائيل في عملياتها العسكرية، وأبقت احتلالها لمناطق لبنانية، وسط غياب أي ضغط أميركي فعلي لإلزامها بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ما جعل الثقة اللبنانية بالدور الأميركي تتراجع بصورة واضحة.

 

 

 

وتزداد الصورة تعقيداً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي في إسرائيل، حيث يبدو أن حكومة نتنياهو توظف اتفاق الإطار الذي أبرمته مع السلطة اللبنانية، إلى جانب التصعيد الأمني والتمسك بالاحتلال في معركتها الداخلية، فيما لا تبدو واشنطن في وارد الدخول في مواجهة سياسية مع الحكومة الإسرائيلية خلال هذه المرحلة، الأمر الذي يحد من فرص تحقيق اختراق سريع في الملفات المطروحة.

 

 

 

 

في المقابل، لا تزال المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة تدور في حلقة مفرغة، فالجولات الست المتعاقبة من واشنطن إلى روما لم تؤد إلى أي نتيجة إيجابية، بل على العكس فإن إسرائيل تعمل على توظيف هذه المفاوضات لفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر المناطق التجريبية الوهمية أو من خلال تكريس وجودها في بعض المناطق واستمرارها في التدمير الممنهج أو في طرح صيغ أمنية استنادًا إلى اتفاق الإطار من شأنها أن تضع الجيش اللبناني أمام مهمات تتجاوز دوره الوطني وتحوله إلى حرسٍ للاحتلال، بما يخدم المصالح الإسرائيلية بشكل كامل.

 

 

 

من هنا، تبدو زيارة واشنطن محاولة لإعادة تصويب المسار قبل الوصول إلى مرحلة تصبح فيها المفاوضات مجرد غطاء لإدارة الأزمة بدلاً من حلها، فلبنان يحتاج إلى نتائج ملموسة تتمثل بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف نهائي للاعتداءات، واحترام السيادة اللبنانية، لا إلى جولات تفاوضية مفتوحة بلا أفق.

 

 

 

 

ويبقى نجاح الزيارة مرهونًا بقدرة الولايات المتحدة على ترجمة وعودها إلى أفعال.

 

أما إذا استمر المشهد على حاله، واستمرت إسرائيل في فرض الوقائع الميدانية تحت مظلة الدعم الأميركي، فإن الأسئلة حول جدوى استمرار المفاوضات ستزداد حضوراً، وقد يصبح البحث عن خيارات سياسية جديدة أمراً لا مفر منه.

 

يمكن القول إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على الزيارة الرئاسية إلى أميركا بحد ذاتها، بل على ما إذا كانت ستؤسس لتحول في المقاربة الأميركية، بشكل يعيد الاعتبار لمنطق الالتزام بالتعهدات، أو أنها ستبقى محطة جديدة في مسار طويل من الوعود المؤجلة، فيما يستمر لبنان في دفع أثمان الاحتلال والاعتداءات اليومية من دماء مواطنيه وممتلكاتهم.