Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر April 9, 2026
A A A
رسم خرائط الشرق الأوسط الجديد
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

لم يكن خافياً في أصل قرار الحرب على إيران أن واشنطن وتل أبيب توافقتا على أن الحروب غير المنتهية في جبهات غزة ولبنان واليمن والعراق رغم ما تحقق فيها من إنجازات، يجعل من المستحيل رسم خرائط شرق أوسط جديد يتيح لواشنطن استعادة مكانتها الدولية ولـ”إسرائيل” فرض الهيمنة على المنطقة، وأن حرباً فاصلة على إيران ضرورة لا يمكن تفاديها لإكمال المهمة، ثم العودة لإنهاء الحروب غير المنتهية وفقاً لنظرية حجارة الدومينو، وحدّد للحرب على إيران هدف مباشر هو إسقاط النظام، وحدّدت لذلك آلية عمودها الفقري، اغتيال مرشد الجمهورية وأكبر عدد من القادة، تمهيداً لخروج المعارضة المسلحة للسيطرة على المراكز الحكومية محصّنة بحشود شعبية تنتفض على النظام الذي يكون تائهاً ومذعوراً ومفككاً وعاجزاً عن التصرف بغياب المركز الناظم لمكوناته ومراكز النفوذ فيه، بما يجنب واشنطن وتل أبيب حرب استنزاف تهدّد بالتأثير على سوق الطاقة مع استبعاد ذهاب إيران إلى إغلاق مضيق هرمز وقدرتها على فعل ذلك، كما تهدّد باستنزاف الأسلحة الدقيقة الهجومية والدفاعية، خصوصاً صواريخ الدفاع الجوي، كما حدث في جولات الحرب السابقة.

فشلت الخطة وتحوّلت الحرب إلى حرب استنزاف تملك أميركا و”إسرائيل” فيها قدرة تدمير فائقة، لكن إيران استجابت للتحدّي بسرعة وأثبتت القدرة على تحويلها إلى حرب استنزاف مركبة، قدرة إطلاق صواريخ أهمها الانشطاري الذي لا يمكن تفاديه بالدفاعات الجوية، وأثبتت عزمها وقدرتها على تفعيل ورقة مضيق هرمز بسرعة وقوة، ولم تأبه للابتزاز الإعلامي الاستباقي الذي أراد تحييد دول الخليج عن الاستهداف بداعي حيادها في الحرب، فقرأت معنى عدم تعليق اتفاقيات التعاون الدفاعي التي أنشئت بموجبها القواعد الأميركية في الخليج ومغزى عدم إغلاق الأجواء والمياه الإقليمية الخليجية بوجه الطائرات والسفن الأميركية، وجعلت من قطاع الطاقة الخليجي ونقاط التمركز الأميركية التي تضم طائرات وجنوداً ورادارات ومراكز تنصّت وخدمات استخبارية، وصولاً للبنى التكنولوجية لكبريات الشركات الأميركية المرتبطة بتنفيذ عقود لصالح العمل الاستخباري مع المخابرات الأميركية ووزارة الدفاع الأميركية، ومع الوقت صار مضيق هرمز وموارد الطاقة في الخليج أوراق قوة بيد إيران للضغط على الأسواق العالمية.

صارت ورقة التهديد بتدمير إيران مقابل ورقة التهديد بانهيار النظام الاقتصادي العالمي، ولم يعد السلاح النووي قادراً على تغيير المعادلة، ورغم المكابرة والإنكار اضطرت واشنطن لقبول الورقة الإيرانية وبنودها العشرة أساساً للتفاوض كما كتب الرئيس دونالد ترامب في تغريدته التي أعلن فيها التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار قبل الإحساس بالفضيحة وخروج الناطقة بلسانه تقول إنه رمى الورقة الإيرانية في القمامة، وبينما منطقة الطاقة في الحرب هي ما يؤلم واشنطن، استفراد “إسرائيل” بالمشرق العربي من غزة إلى لبنان هو ما يؤلم إيران، ولذلك صاغت إيران معادلتها مع اشتراك قوى المقاومة في الحرب، باعتبار أن أي اتفاق يجب أن يشمل جبهات المقاومة، بينما سعت واشنطن لتحييد جبهة الطاقة ونقل جبهات المقاومة و”إسرائيل” إلى طاولة التفاوض، كما يقول التلاعب الأميركي بالكلام حول كون لبنان من ضمن الاتفاق أم لا؟

القضيّة هي دائماً رسم خرائط الشرق الأوسط الجديد، والصراع على محاورها ليس تفصيلاً بسيطاً بل هو جوهر الصراع الذي يدور الآن وسوف يدور على طاولة التفاوض، وقد يؤدي هذا الصراع إلى انهيار اتفاق وقف إطلاق النار. والعتبة الحرجة التي يقف عندها الصراع الآن لا تتصل باعتبارات مبدئية وإنسانية وأخلاقية فقط، بل هي تعبير عن مكاسرة ضارية بين الإرادات حول ماهية الخرائط الجديدة للشرق الأوسط الجديدة، بين تصوّر أميركي مضمر يقوم على مقايضة تكريس مكانة إيران المتقدمة في منطقة الخليج مقابل مكانة متقدمة لـ”إسرائيل” في المشرق، وتمسك إيران بربط إنهاء الحرب بإنهاء الحروب غير المنتهية في جبهات المقاومة وفق الاتفاقات الخاصة بحفظ التوازنات فيها، وقف النار في لبنان ومثله في غزة، وحفظ مكانة قوى المقاومة في العراق واليمن.

فيما يخصّ لبنان والجريمة التي ارتكبها الاحتلال بطريقة وحشية يوم أمس، يجب أن يكون واضحاً أن على السلطة السياسية أن تقرّر ما إذا كانت المصلحة الوطنية عندها تتقدّم على الحسابات السياسية الضيقة أم أنها تهتم أولاً بإضعاف المقاومة ولو وضعها هذا الموقف في جبهة واحدة مع الاحتلال، وأنّها تهتمّ برضا واشنطن ولو تمّ استثمار موقفها لتغطية إخراج لبنان من الاتفاق، وأنّها ترفع شعار السيادة والحكومة وحدها تفاوض لجعل لبنان ضحيّة للتوحّش الإسرائيلي الذي يمثل التهديد الأول للسيادة، وخلال هذه الساعات تقرّر المعادلات الصعبة وأمام السلطة اللبنانيّة فرصة أن تكون في الاتجاه الصحيح من الأحداث والمكان الصحيح من التاريخ، مع شعبها ووطنها، أو أن تكون مجرد ورقة ضمن الحسابات الأميركية وواشنطن تستعمل كل أوراقها لحساب “إسرائيل”؟