Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر February 10, 2026
A A A
دماء شهداء طرابلس تُحرّك الحكومة.. والعبرة في التنفيذ!!
الكاتب: غسان ريفي - سفير الشمال

وضعت الحكومة ملفّ المباني المتصدّعة في طرابلس لأول مرة على طاولة البحث الجدي، حيث أعلن رئيسها نواف سلام بعد إجتماعه بفاعليات المدينة في السراي الحكومي أمس قرارا قضى بإخلاء 114 مبنى مهدّد بالسقوط، وتأمين بدل إيواء للعائلات المتضرّرة لمدة سنة عبر الهيئة العليا للإغاثة، ووضع خطة للتدعيم والهدم وتقديم المساعدات الاجتماعية والصحية للمتضررين.

هذا القرار الذي طال انتظاره، شكل خطوة في الاتجاه الصحيح، ولو جاء متأخراً، فالمدينة التي تعيش منذ سنوات على حافة الخطر، لم تكن بحاجة إلى المزيد من الدماء كي تثبت أن بيوتها آيلة للسقوط، وأن أهلها يسكنون الموت المؤجّل.

عشرات التقارير البلدية، وشكاوى الأهالي، وتحذيرات المهندسين وإنذارات الإخلاء، وإنهيار أربعة أبنية منذ بداية العام، كانت كافية لتدق ناقوس الخطر، ومع ذلك، لم يتحرّك الملف بجدّية إلا بعد أن سقط عدد كبير من الشهداء تحت الركام.

كلام رئيس الحكومة بعد الاجتماع يحتاج إلى ترجمة فعلية على الأرض، فطرابلس لم تعد تثق بالوعود، ولا بالخطط الورقية، ولا باللجان التي تُشكَّل بعد الكارثة، والعبرة اليوم ليست في عدد الاجتماعات ولا في حجم التصريحات الانتخابية بل في سرعة التنفيذ، وشفافيته، وعدالته، ومن دون أي تمييز أو محسوبيات.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا لم تُتخذ هذه الخطوة فور زيارة رئيس الحكومة إلى طرابلس واجتماعه بنواب المدينة؟ ولماذا انتظرت الحكومة نحو خمسة عشر يوماً من تقاذف المسؤوليات مع وزارة المالية لتأمين مبلغ لا يتجاوز عشرة ملايين دولار؟ أهو مبلغ مستحيل على دولة تُنفق المليارات في مزاريب الهدر، أم أن طرابلس ليست أولوية إلا عندما تدفع الثمن من دم أبنائها؟

طرابلس، التي لم تُدرج أساساً في الموازنة العامة، تُعامل وكأنها هامش جغرافي وبشري، ومدينة محرومة من الإنماء، مثقلة بالفقر، وحتى من أبسط مقوّمات السلامة العامة. فهل كُتب على أبنائها أن يسقطوا شهداء ليحصلوا على حقّهم بالسكن الآمن؟

الإيجابي في إعلان رئيس الحكومة هو الإقرار الصريح بحجم الكارثة، وتوزيع الأدوار بين الوزارات المعنية، من الشؤون الاجتماعية إلى الصحة، مروراً بالهيئة العليا للإغاثة ومجلس الإنماء والإعمار. لكن التجربة اللبنانية تقول إن الخطر الحقيقي يكمن في ما بعد الإعلان: في الروتين، والتأجيل، وضياع المسؤوليات، وتبخّر الوعود.

دماء شهداء المباني المنهارة حرّكت الحكومة، لكن المطلوب اليوم ألا تُنسى هذه الدماء، لذلك المطلوب خطة مستدامة، لا إسعافية أو إرتجالية أو ترقيعية فقط، لتعالج جذور المشكلة، من فوضى العمران، إلى غياب الرقابة، إلى الإهمال المزمن للمناطق الطرابلسية الفقيرة.

أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي، لكن أن تتوقّف في منتصف الطريق هو الجريمة بعينها، فطرابلس لا تطلب صدقة، بل حقّها الكامل من الدولة في الأمان والكرامة.. والعبرة دائماً في التنفيذ.