Beirut weather 14.1 ° C
تاريخ النشر March 31, 2026
A A A
«خيار ثالث» بين الانسحاب والغزو البري: أميركا «تجرّب» تكثيف النيران
الكاتب: يحيى دبوق

كتب يحيى دبوق في الأخبار 

 

ما زالت الإشارات الصادرة من واشنطن متناقضة، عاكسةً تذبذب خيارات إدارة دونالد ترامب في التعامل مع تعقيدات الحرب على إيران. وفي حين تواصل الإدارة الحديث عن وجود مفاوضات لإيصال انطباع بأن طهران تقترب من التراجع، فهي في الوقت نفسه تكرّر التهديد ومن ثمّ تتراجع عنه، ليعود بسقف أعلى، قبل أن تتراجع عنه مجدّداً.

وعلى الأرض، تُظهِر الوقائع صعوبة حسم المواجهة عسكرياً، وإخضاع إيران للشروط الأميركية؛ وهو ما يفسّر مبالغة الرئيس دونالد ترامب في تصوير المشهد لمصلحة بلاده. وكانت راهنت الإدارة الأميركية، خلال الأسبوع الماضي، على إمكانية الدفع بمسار تفاوضي عبر باكستان، وذلك من خلال إرسال وفد رفيع لمناقشة مشروع اتفاق مؤلّف من 15 نقطة استسلامية. غير أن هذا الرهان استند إلى تقدير غير دقيق، أقرب إلى التمنّي منه إلى الواقع، عنوانه أن أيّ انفتاح إيراني على المسار التفاوضي يعني استعداد طهران للخضوع تحت الضغط العسكري. ولعلّ واحدة من أهم الوقائع التي تدحض ادّعاءات الإدارة الأميركية، هو ملفّ مضيق هرمز، الذي يمثّل ركيزة أساسية في أيّ سيناريو، سواء تعلّق الأمر بإنهاء المواجهة أو بتسويق نتائجها كإنجاز سياسي. ومن هنا، فإن استمرار إغلاق المضيق يقوّض أي محاولة لبناء سردية انتصار، ويفقدها المصداقية.

 

وفي مقابل الرهان الأميركي الخاطئ، جاءت ردود إيران حاسمة، ومحمَّلةً بمفاجأة لإدارة ترامب؛ إذ لم تكتف طهران برفض شروط واشنطن، بل طرحت شروطاً مضادّة تعكس مستوى مماثلاً من التشدّد، من بينها المطالبة بتعويضات عن أضرار الحرب، والاعتراف بسيادة الجمهورية الإسلامية على مضيق هرمز، ورفع العقوبات المفروضة عليها من قبل الرؤساء الأميركيين طوال العقود الماضية. ويضع هذا الطرح، الولايات المتحدة، أمام خيارات صعبة، من بينها خوض مغامرات ما زالت محل تردّد ولا يقين إزاء نتائجها.

وهكذا، فإن المناورات العسكرية الأميركية – الإسرائيلية، ومعها تعزيز الوجود العسكري، لم تنجح في كسر الإرادة الإيرانية أو فرض فتح المضيق. كما أن الخطاب الإعلامي الأميركي المليء بالتفاؤل لا يعكس حقيقة الوضع على الأرض، ما يكشف فجوة واضحة بين السردية السياسية والنتائج الفعلية.

 

تتزايد القناعة في أميركا، من دون الإقرار علناً، بضرورة مراجعة مسار التصعيد بعد تعثّر إخضاع إيران

 

 

واستناداً إلى ذلك، يبدو أن الخيار الذي قرّرت الولايات المتحدة اعتماده الآن، ليس الانسحاب ولا التدخل البري، وإن كانا ما زالا حاضرين بقوة على طاولة التخطيط والقرار في واشنطن، بل خيار ثالث، يُعدّ «مزيداً من الشيء نفسه»، أي تسريع وتيرة الهجمات العسكرية الجوية، مع توسيع الضربات لتشمل أهدافاً اقتصادية وتربوية واجتماعية وإعلامية، من بينها الجامعات والمستشفيات والمدارس ووسائل الإعلام ومحطات توزيع الطاقة الكهربائية والقدرة التصنيعية، إضافة إلى الدور السكنية والمدنيين. ومع ذلك، لا يبدو أن ثمة إشارات تراجع من جانب إيران.

 

في المحصّلة، يعكس التذبذب الأميركي صعوبة تحقيق الأهداف المُعلنة للحرب. ومع استمرار الجمود، تتزايد القناعة داخل دوائر القرار في الولايات المتحدة، من دون الإقرار علناً، بضرورة مراجعة مسار التصعيد بعد تعثّر محاولات إخضاع إيران، فيما يُعدّ رفع سقف التهديدات دليلاً على فقدان الأدوات الناجعة، وليس على الاقتدار. وقد يفتح هذا التعثّر المجال أمام مقاربات مختلفة تتجاوز سياسة الضغط، خصوصاً أن مفتاح التهدئة لا يرتبط بواشنطن وحدها، بل يتّصل أيضاً بخيارات طهران، ولا سيما في ما يتعلّق بملف المضيق، بوصفه الورقة الاستراتيجية الأهم.

وعليه، يبقى السؤال: هل يعمد ترامب إلى تنفيذ تهديداته بتدمير إيران بشكل كامل، وهو ما يعني المضيّ في مغامرة محفوفة بالمخاطر؟ أم أنه يهدّد بتلك الخيارات لتحسين تموضعه في مفاوضات مقبلة تمهيداً للانسحاب والتسويات؟