Beirut weather 16.41 ° C
تاريخ النشر November 10, 2025
A A A
خطة الطوق الأميركي: “الميكانيزم يتمدّد… و “المزة” تتحرّك
الكاتب: ميشال نصر

كتب ميشال نصر في “الديار”:

في لحظةٍ إقليمية “عاجقة” بالتحوّلات، تلتقي خيوط السياسة والأمن على خريطة تمتدّ من الجنوب اللبناني إلى عمق العاصمة السورية دمشق، في مشهد متشابك، من مقترح أميركي لتوسيع صلاحيات لجنة “الميكانيزم” ليشمل الحدود الشرقية للبنان، في موازاة تسريبات تتحدث عن استعداد واشنطن لإقامة قاعدة عسكرية في مطار المِزّة بدمشق.

للوهلة الأولى، قد يَبدو الحدثان منفصلين، لكنّ القراءة الاستراتيجية العميقة تكشف خيطاً “غليظا” يربطهما: إعادة تموضع الولايات المتحدة عسكرياً وأمنياً في قلب الجغرافيا المحيطة بلبنان، تحت عنوان “ضبط النفوذ الإيراني”، وإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة، على ما تشير مصادر مطلعة على السياسة الاميركية.

فمن الجنوب إلى الشرق، ومن الناقورة إلى المِزّة، تتبدّل الخرائط ببطء ولكن بثبات، بحسب المصادر، فالتوسّع في صلاحيات “الميكانيزم” لا يعني فقط توسيع نطاق المراقبة الدولية، بل يحمل أيضاً محاولة لإحكام القبضة على الممرّات، التي تُعتبر شرياناً استراتيجياً لحزب الله بين لبنان وسوريا.

في الوقت نفسه، فإنّ إقامة قاعدة أميركية في المِزّة، إن صحّت المعلومات، تندرج ضمن سياقٍ أوسع يسعى إلى تثبيت الوجود العسكري الأميركي على مقربة من الحدود اللبنانية – السورية، بهدف رسم توازن جديد مع إيران وروسيا في قلب المنطقة.

استنادا إلى ما تقدم، الرسائل المتبادلة كثيرة: واشنطن تقول عبر تحركاتها إنّ زمن الاكتفاء بالمراقبة من بعيد انتهى، وأنّ “أمن إسرائيل” بات يتطلّب “انتشاراً مباشراً” داخل العمق السوري. أما محور طهران فيقرأ في هذه الخطوات إعلاناً مبطّناً عن حربٍ ناعمة، هدفها تطويق محور المقاومة من الجنوب اللبناني إلى ضواحي دمشق.

بين هاتين الرؤيتين، يجد لبنان نفسه مجدداً في عين العاصفة: حدودٌ شرقية مرشّحة لأن تتحوّل إلى ساحة مراقبة دولية، وحدودٌ جنوبية قابلة للاشتعال في أي لحظة، وجوارٌ سوريٌّ يشهد حراكاً عسكرياً، قد يغيّر معادلات الأمن الإقليمي لعقود.

وتقول المصادر نفسها أن الهدف لا يقتصر على مراقبة تحركات “الاعداء” كما تصفهم اميركا فحسب، بل يمتد إلى:

– إعادة تموضع استخباراتي يسمح برصد الحدود اللبنانية – السورية، والأنشطة اللوجستية لحزب الله، مع التذكير ان واشنطن عرضت مد سلطة “الميكانيزم” وصلاحياتها لتشمل الحدود اللبنانية – السورية.

– تقييد هامش المناورة الإيراني في الجنوب السوري، الذي تحوّل منذ سنوات إلى منطقة عبور للعتاد والمستشارين.

– طمأنة “إسرائيل” بأنّ الجنوب لن يتحول إلى جبهة مفاجآت جديدة.

بكلماتٍ أخرى، هو “تحصين استباقي” قبل أي حرب محتملة مع حزب الله، أو بالأحرى تمهيد ميداني لمعادلة ردع جديدة، تُبقي واشنطن داخل المعركة من دون أن تطلق رصاصة.

وسط هذا المشهد، تتابع المصادر، من الطبيعي أن يتأثر لبنان مباشرة بهذا التطور. فالوجود الأميركي، ولو رمزي، قرب حدوده الشرقية، يقلّص مساحة الحركة أمام حزب الله ويضع الحكومة اللبنانية أمام واقع جديد: ميزان القوى لم يعد محصوراً بين الجيش والمقاومة، بل دخل لاعب ثالث يحمل الغطاء الدولي الكامل.

فسياسياً، تعتبر المصادر ان واشنطن ستحاول استخدام هذا الانتشار كورقة ضغط في أي تسوية مقبلة، تتعلق بالحدود الجنوبية أو ملف ترسيم النفوذ مع “إسرائيل”.

في المنطق العسكري، يجزم الخبراء ان من يملك المطار يملك الأفق. وإذا صحّ أن الأميركيين يتحضّرون للتموضع في المزة، فهذا يعني أن معركة النفوذ انتقلت من صحراء دير الزور إلى قلب دمشق، ومن هناك إلى حدود لبنان.

فما بين “مطار المزة” و”مطار رياق” خط تماس افتراضي جديد، قد يُحدّد ملامح المرحلة المقبلة في الإقليم، حيث كل تحرّك أميركي سيقابله حساب لبناني دقيق، وكل صمت من المقاومة قد يخفي عاصفة مقبلة.

في الخلاصة، بين تكذيب سوري وتحفّظ أميركي وصمت لبناني، يبدو المشهد كلوحة انتظار مفتوحة على الاحتمالات، لكن المؤكد أن الجنوب اللبناني لن يبقى بعيداً عن المزة، وأن أيّ تثبيت أميركي في دمشق، سيترك بصمته على معادلات الردع شمالاً وجنوباً.

ففي منطق الحروب الباردة التي تعود اليوم في اطار جديد، من يسيطر على المطار يملك مفتاح اللعبة… هكذا كان الامر مع طهران وهكذا سيكون مع واشنطن…

أما النتيجة، فهي مشهد إقليمي مفتوح على احتمالاتٍ شديدة التعقيد، سيكون لبنان كما العادة، أول من يتأثر بها وآخر من يخرج من دوّامتها…