Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر February 15, 2026
A A A
خطاب سعد الحريري… قراءة في الرسائل المباشرة والمبطّنة!..

كتبت حسناء سعادة

شكّل خطاب الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري في ذكرى استشهاد والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري امس محطة سياسية لافتة، ليس فقط بسبب مضمون الخطاب بل لتوقيته ودلالاته. فالرجل الذي اختار الابتعاد النسبي عن الحياة السياسية، عاد ليخاطب جمهوره بلغة السهل الممتنع وبرسائل متعددة الاتجاهات، داخليا وخارجيا، للحلفاء والخصوم معاً.
الرسالة الأوضح كانت إلى جمهوره المباشر حيث حرص على التأكيد أن الغياب لا يعني الانسحاب النهائي، وأن العلاقة مع القاعدة الشعبية ما زالت قائمة، وأن التيار الذي أسسه والده لم يتحوّل إلى ذكرى رغم مرور ٢١ سنة على استشهاد المؤسس، اذ ما زال رقماً صعباً في المعادلة السنية والوطنية والبرهان هذا الكم البشري المشارك في الذكرى.
اما الرسالة الثانية فكانت الى الخصوم مؤكداً ان الاعتدال خيار لا ضعف، ففي مرحلة تتسم بارتفاع السقوف، قدّم نفسه كصوت توازن لا كطرف مواجهة داعياً الى تطبيق الطائف كاملاً لانه الحل، ماداً اليد الى الجميع “تيار المستقبل على شاكلة الشهيد باني الجسور ولا يعرف بناء جدران او قطع طريق”.
خطاب الحريري لم يحمل نبرة قطيعة مع أي طرف، الا انه اشار في رسالته الثالثة وان كان من دون تسمية الى ظلم ذوي القربى والى من طعنه في ظهره واتقن النميمة عليه مؤكداً ان ظهره ثابت بوجود هكذا قاعدة شعبية وان الحريرية الوطنية تأخذ استراحة محارب ولا تنكسر “ومن راهن على كسرها هو من انكسر”.
بدا كأن الحريري يقول في رسالته الرابعة إن التسويات تبقى خيارا ممكنا، لكن بشروط أكثر وضوحا ومنها عدم السماح بعودة اي فتنة طائفية او داخلية والكل “يشهد ان الشهيد رفيق الحريري كان المساهم الاكبر بوقف الحرب الاهلية”، معتبراً ان احلام التقسيم سقطت بحكم الواقع و “مشروعنا لبنان واحد سيد حر مستقل” داعياً الى ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها.
الرسالة الخامسة كانت باتجاه الخارج حيث حافظ الخطاب على ثوابت الانفتاح العربي والدولي واقامة افضل العلاقات مع الجارة الاقرب والدول العربية “ومن يخيط بمسلة الخلافات الخليجية والعربية ستخرج يده فاضية”، وكأن الرسالة أن لبنان يحتاج إلى شبكة أمان سياسية واقتصادية ومظلة يؤمنها العمق العربي والعلاقات الدولية “البلد والاقتصاد والثقة والعيش المشترك بحاجة لنهج رفيق الحريري”
في رسالته السادسة ترك الغموض يفعل فعله فهو لم يعلق اعتكافه ولم يعلن بالوقت نفسه عودته السياسية وخوضه غمار الانتخابات النيابية التي متى ستحصل “سيسمعون اصواتنا وسيعدّون هذه الاصوات”.
اما الرسالة السابعة فكانت لاهل الجنوب “الذين يستحقون دولة تحميهم” ولاهل طرابلس التي “بسقوط ابنيتها سقطت كرامات كل المسؤولين والكل مقصر بحق طرابلس التي تمتلك كافة شروط النجاح”.
لم يكن خطاب سعد الحريري خطاب تصعيد، بل خطاب تموضع بل اعادة تثبيت حضور وتذكير بأنه لا يضيّع البوصلة ولا ينكر المعروف ولا يتاجر بالناس.
الرسائل كلها كانت واضحة لمن أراد قراءتها: لا انسحاب نهائي من المعادلة، لا مواجهات عبثية، ولا تسوية مجانية.
في السياسة اللبنانية، أحيانا يكون الصمت رسالة… لكن الكلام في التوقيت المناسب رسالة أقوى وخطاب الحريري بدا محاولة لاستعادة المبادرة، أو على الأقل منع الآخرين من احتكار المشهد.
يبقى ان دموع نجل الشهيد امام ضريح والده اقوى من اي رسالة.
اهلاً بعودتك شيخ سعد!..