Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر April 21, 2026
A A A
خطاب السلطة وتهافت التهافت
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

تتجند لخدمة خطاب السلطة المبني على إظهار تهافت خطاب المقاومة، مئات الأقلام والأصوات التي ارتبط أداؤها السياسي والإعلامي خلال عقدين ماضيين بمهمة شيطنة المقاومة، سواء بدواعٍ محلية يملؤها الحقد أو بدوافع ترتبط بوقوفها تحت راية دولية وإقليمية معادية للمقاومة، أو لانضمامها إلى الجوقة التي تحدث عنها جيفري فيلتمان تحت شعار موازنة الـ500 مليون دولار لشيطنة المقاومة، وقد تم تجديد الموازنة وتعظيمها عدة مرات، والعنوان طبعاً هو الدفاع عن السيادة واعتبار المقاومة جهة غير سيادية تمثل محوراً أجنبياً تخدمه على حساب لبنان، وقد التحق هؤلاء جميعاً بتعليمات من مشغليهم بخطاب السلطة، التي كانوا قبل شهور يتهمونها بالتخاذل قبل أن تنقلب السلطة على خطابها وتنتقل إلى جبهة العداء للمقاومة، لكن كمية هذه الأصوات لا تمنح خطابها قوة إضافية، تماماً كحال الذي يتحدّث عن خبرة عشرين سنة في الهندسة وهو يمتلك سنة خبرة واحدة قام بإعادتها عشرين مرة.

جوهر خطاب السلطة وخصوم المقاومة لإثبات تهافت خطاب المقاومة يقوم على نص لم ينتبه أصحابه إلى أنه سقط بالضربة القاضية، وهو النص القائل بأن تجربة المقاومة خلال حرب الإسناد قد أثبتت أن تغييراً جوهرياً في موازين القوى قد حدث دولياً وإقليمياً، وأن الحرب في مواجهة الحلف الأميركي الإسرائيلي انتحار، وأن ما حدث عام 2000 وعام 2006 أصبح شيئاً من الماضي غير قابل للتكرار. وهذا الخطاب الذي بقي صالحاً طيلة الخمسة عشر شهراً التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار في خريف 2024، بينما المقاومة تلتزم الصمت وعدم الردّ على الاعتداءات الإسرائيلية، قد سقط سقوطاً مدوياً خلال حرب الأربعين يوماً، حيث يبدو أن الأميركي ومعه الإسرائيلي قد صدق مقولة السلطة وجماعتها، وجاءوا إلى اختبار النص الذي لم يصمد في اختبار الواقع، لتجد أميركا نفسها غارقة في رمال حرب لا تنتهي، وأمام قدرة إيرانية على التماسك الشعبي والتمسك السياسي والقدرة على خوض الحرب بلا تعب، ليعود إلى طاولة التفاوض تحت شعار الملف النووي، بينما تفاجأ الإسرائيلي بالإبهار الذي أظهره أداء المقاومة التي قيل إنها انتهت، ووجد نفسه مضطراً إلى تعديل كل منهجه من نية الوصول إلى الليطاني إلى الحديث عن نقاط دفاعية متقدّمة، وتحوّل خطاب حكومته فجأة إلى مصدر للسخرية والتندّر داخل الرأي العام الإسرائيلي وسط التساؤل أين أصبح خطاب إنهاء تهديد إيران وإنهاء تهديد المقاومة؟

فجأة فقد خطاب “لقد جرّبنا الحرب فماذا جلبت لنا” جاذبيته، وقد وجد الناس أنهم يُقتلون في الشوارع في ظل خطاب “التفاوض خيار استراتيجيّ”، وبينما أثبتت المقاومة أنّها تعيد بجدارة طرح السؤال حول مصير الأرض كعنوان للسيادة، ذهبت السلطة للاختباء في ظل خطاب “الخسائر”، كأنها تقول يجب أن ندفع من السيادة ثمن تفادي العدوان، وأمام اللبنانيين مثال سورية التي دفعت من السيادة ثمن تفادي العدوان فخسرت السيادة ولم يتوقف العدوان. وجاءت المذكرة التي أصدرتها الخارجية الأميركية عن وقف إطلاق النار لتفضح حقيقة مفهوم التفاوض خياراً استراتيجياً، تشريع القتل والعدوان بتوقيع لبناني، والسلطة لا تستطيع إنكار أن مبدأ وقف إطلاق النار جاء على إيقاع الإصرار الإيراني على وقف النار في لبنان لتثبيت وقف النار على جبهة إيران بدليل التوقيت.

يحاول خطاب السلطة إثبات تهافت خطاب المقاومة بعزف نوتة، حروب الآخرين، وإخراج لبنان من لعبة المحاور، وواقع الحال أن حديث حروب الآخرين الممتدّ منذ الحرب الأهلية، لا يستقيم مع تجربة المقاومة، التي جاهرت دائماً بالتحالف مع إيران، عندما خاضت حرب تحرير لبنان عام 2000 ودافعت عن لبنان بجدارة في حرب تموز 2006، واتهمت في المرتين بخدمة موقع إيران التفاوضي في ملفها النووي، أظهرت الوقائع أن الأرض التي تحرّرت والأرض التي تمّت حمايتها، هي أرض لبنانية بينما لا يزال الملف النووي الإيراني عالقاً، والسؤال اليوم هو هل تخوض المقاومة معركة إيران، أم تخوض إيران معركة لبنان؟ فالمقاومة قالت علناً إنها جاهزة لوقف النار إذا انسحب الاحتلال وتوقف العدوان، ولم تربط ذلك بحرب إيران، بل إن إيران هي التي فعلت فقالت إنه لو تمّت تلبية كل شروطها فلن تقبل بوقف النار ما لم يُشمَل لبنان؟

في كل مرّة يجري فيها الحديث عن إخراج لبنان من لعبة المحاور، يجب أن يُطرح السؤال الذي يسقط الخداع البصري، متى كان لبنان في غير المحور الأميركي السعودي، وفي ذروة الاعتراف بقوة المقاومة أو بشراكة سورية كان يمنح ذلك سورية والمقاومة حق الفيتو لا صلاحية القرار، والأمثلة لا تُعدّ ولا تحصى، فمتى كان اختيار رئيس الجمهورية وقائد الجيش دون موافقة أميركية، إلا في حالات نادرة جداً ومحدودة وظرفية؟ ومتى كانت تسمية رئيس الحكومة لا تأتي من السعودية؟ ومتى كان القرار المالي في المصرف المركزي بيد غير أميركية، وكل مرحلة ما بعد اتفاق الطائف قامت على وضع لبنان في المحور الأميركي السعودي مع درجة شراكة لقوى المقاومة وسورية وإيران تكبر وتصغر بين حد أدنى هو التهميش وحد أعلى هو حق الفيتو؟

ما يجري حالياً تحت عنوان تحرير لبنان من المحاور هو حسم حصرية وضعه في المحور الأميركي، وإلغاء أي شراكة لقوى المقاومة في القرار، فهل ثمّة من يصدق أن إيران عندما اشترطت وقف النار في لبنان لوقف النار على جبهة إيران كانت تريد التفاوض عن لبنان؟ ومن يصدّق أن التفاوض اللبناني عندما يجري برعاية أميركية خالصة يكون ذلك تعبيراً سيادياً لمصلحة لبنان؟ وكل عاقل يعلم أن أميركا سوف تدعم كل مطالب “إسرائيل”، والسلطة التي تتحدث عن بُعد سيادي للتفاوض هل تستطيع تفسير مذكرة وقف إطلاق النار، التي صدرت عن الخارجية الأميركية بتوقيع لبناني تمنح “إسرائيل” صلاحية القتل والعدوان بعدما كان النص في اتفاق 2024 في رسالة ضمانات أميركية لـ”إسرائيل” دون موافقة لبنانية؟ ولعل هذا الفارق يوضح الفارق الحقيقي بين ما كان وما تريد له السلطة أن يكون؟

إنه تهافت التهافت.