Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر February 13, 2026
A A A
حيّاً في ذاكرة الوطن وفي وجدان كل لبناني
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء

يكبر غياب الرئيس الشهيد رفيق الحريري عاماً بعد عام، لا لأن الزمن يباعد المسافات فحسب، بل لأن المشروع الوطني الذي حمله لم يكتمل، ولأن الرؤية الاستراتيجية التي سعى إلى ترسيخها تعثّرت تحت وطأة الممارسات الخاطئة، والانقسامات والأزمات المتلاحقة. فالرجل لم يكن مجرد رئيس حكومة في مرحلة انتقالية ، بل كان صاحب مشروع متكامل للنهوض الاقتصادي وترسيخ الاستقرار السياسي، أعاد من خلاله وضع لبنان على خريطة الاهتمامين العربي والدولي بعد سنوات الحرب الطويلة.

 

تميّز دور الرئيس الحريري بقدرته على الجمع بين متطلبات ورشة الإعمار ومقتضيات بناء الدولة الحديثة. فمن ترميم السراي الحكومي الكبير كرمز لعودة قيام المؤسسات، إلى إعادة إعمار وسط بيروت وتحويله إلى مساحة نابضة بالحياة الاقتصادية والثقافية، وصولاً إلى تحديث مطار رفيق الحريري الدولي وشبكة الأوتوسترادات التي ربطت العاصمة بالمناطق، وإنشاء عشرات المستشفيات والمجمَّعات المدرسية والتربوية، رسم الحريري معالم مرحلة جديدة عنوانها إعادة الثقة بقدرة لبنان على النهوض، بفترة زمنية قيااسية. لم تكن تلك المشاريع ترفاً عمرانياً، بل كانت ركيزة لتحريك الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وتحقيق نسب نمو عالية، وتكريس صورة لبنان كجسر تواصل بين الشرق والغرب.

 

غير أن أهمية تجربة الحريري لا تختصر في بُعدها الإنمائي. فقد تمسّك بثوابت وطنية وقومية واضحة، في مقدمتها الحفاظ على السيادة والحرية والديمقراطية وصيغة العيش المشترك التي تميّز لبنان. وتعزيز العلاقات مع الدول الشقيقة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، والدول الصديقة وفرنسا خاصة التي جمعته مع رئيسها جاك شيراك علاقات صداقة مميزة.

ورغم الضغوط الكبيرة التي تعرّض لها من النظام السوري السابق وحلفائه في الداخل، لم يتخلّ عن قناعته بأن بناء الدولة لا يكتمل من دون توازن وطني حقيقي، ورفض أي مساس بأي مكوّن لبناني. كما عارض تحجيم الدور المسيحي في القرار الوطني، حتى في أصعب اللحظات التي أعقبت مقاطعة انتخابات عام 1992، إدراكاً منه أن الشراكة الفعلية هي أساس الاستقرار.

 

ما يزيد من مرارة الغياب اليوم ليس فقط الفشل الاقتصادي الذي تلى تلك المرحلة، بل أيضاً ما تعرّضت له منجزاته من إهمال أو إنكار، لأن المصالح الوطنية باتت أسيرة الحسابات الضيقة. والحال أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن ما تحقق في عهده شكّل محاولة جدية لإعادة بناء الدولة على أسس حديثة، وأن كثيراً من البنى التي لا تزال تخدم اللبنانيين حتى اليوم تحمل بصمته الواضحة.

يبقى رفيق الحريري، رغم جريمة الإغتيال القذرة، حاضراً في الوجدان الوطني كرمز لمرحلة آمنت بإمكان النهوض، وبقدرة اللبنانيين على صناعة مستقبلهم. فالرئيس الشهيد لم يكن مجرد اسم في سجل الرؤساء، بل رجل دولة ومشروع أمل، وما زال حياً في ذاكرة الوطن، وفي وجدان كل لبناني يتطلع إلى قيام دولة قادرة، قوية، عادلة ومزدهرة.