Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر March 13, 2026
A A A
حين يصبح العدو مصدر “المعلومة”!
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

 

 

تتبدل الأحوال في لبنان بسرعة لافتة، ليس فقط على مستوى السياسة أو الميدان، بل أيضاً في طريقة تلقي الناس للأخبار والحقائق.

في مرحلة سابقة، كان الإسرائيلي ينتظر خطاب الامين العام لحزب الله حسن نصر الله ليعرف ما يجري في بلده أو ليفهم حقيقة ما يحصل في الجبهة المقابلة، كان ذلك جزءاً من معركة إعلامية ونفسية تعكس ثقة جمهور بمصدر معين للمعلومة وبمن يقولها.

في لبنان، ينتظر البعض اليوم تصريحات أفيخاي أدرعي حول ما يجري داخل الأراضي اللبنانية، ويتعاملون معها وكأنها حقيقة نهائية لا تقبل النقاش، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة اذ كيف لبلد على حافة الهاوية، ومصيره على المحك، ان تتحول رواية العدو عند البعض فيه إلى مصدر “موثوق” للمعلومات.

هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن حالة الانقسام العميق التي يعيشها اللبنانيون، فحين يفقد المجتمع ثقته بالمؤسسات، وبالخطاب السياسي الداخلي، يصبح الباب مفتوحاً أمام أي رواية خارجية لتملأ الفراغ. عندها لا تعود المشكلة في تصريح يصدر من الخارج، بل في قابلية الداخل لتصديقه وتبنّيه.

الأخطر من ذلك هو استمرار بعض اللبنانيين في الرهان على الخارج، وكأن هذا البلد لم يتعلم بعد من تجاربه القاسية بان لبنان لا يجب أن يكون ساحة لأي دولة، لا لإيران، ولا لسوريا، ولا لإسرائيل، ولا للولايات المتحدة، ولا لفرنسا او اي دولة اخرى، فكلما تحوّل البلد إلى ساحة صراع للآخرين، كان اللبنانيون هم الخاسر الأكبر.

اضافة الى ذلك وبدل أن يكون الإعلام مساحة لتهدئة النفوس وحماية السلم الأهلي، يتحول أحياناً إلى منصة للانقسام والمزايدة.

صٓحيفة تتحدث عن انشقاق في الجيش، وصحافي يتمنى عودة الجيش السوري إلى لبنان، وآخرون يروجون لاجتياح او ضرب المرافق والبنى التحتية حتى قبل التهديدات الاسرائيلية.

هذه ليست حرية إعلام، بل لعب بالنار، فالجيش اللبناني ليس تفصيلاً في حياة الدولة، بل هو أحد آخر أعمدة الاستقرار المتبقية والتشكيك بوحدته أو التحريض عليه في هذه اللحظة الحساسة ليس مجرد رأي، بل مخاطرة خطيرة بمصير البلد وكذلك دعوة بلد اخر لاحتلال الوطن ليست وجهة نظر.

والمفارقة أن إسرائيل نفسها، رغم كل ما ترتكبه من عدوان، تفرض في زمن الحرب قيوداً صارمة على نشر المعلومات سواء صور الأضرار والخسائر داخلها او عدد الضحايا وذلك حفاظاً على الجبهة الداخلية. أما في لبنان، فنجد أنفسنا أحياناً نتبارى في كشف كل شيء، بل والمزايدة على بعضنا البعض في نشر الأخبار والصور، حتى لو كان ذلك على حساب أمن البلد ومعنويات الناس.

في خضم هذا المشهد القاتم، لا بد من توجيه تحية تقدير إلى الإعلام الموضوعي، وإلى الزملاء الإعلاميين الذين يعملون على خطوط النار وينقلون الحقيقة بقدر كبير من المسؤولية والمهنية. هؤلاء الذين يخاطرون بحياتهم يومياً ليضعوا الرأي العام أمام صورة واضحة لما يجري، بعيداً عن التحريض والمبالغة والتضليل.

لبنان اليوم يقف على حافة الهاوية، وفي مثل هذه اللحظات، لا يحتاج البلد إلى مزيد من التحريض والانقسام، بل إلى قدر أكبر من المسؤولية الوطنية، سياسياً وإعلامياً وشعبياً. فالكلمة، إذا لم تُستخدم بحكمة، قد تكون أخطر من الرصاص.