Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر April 8, 2026
A A A
جيش الاحتلال ومحاولة الخروح من فخ الاستنزاف تحت غطاء «إنجاز المهمة»
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

لماذا يحاول جيش الاحتلال الإسرائيلي الترويج لفكره انه تمّ “إنجاز المهمة” في قرى الحافة الأمامية في جنوب لبنان، مع أنه لم يحقق هدف العملية في السيطرة على منطقة عازلة حتى نهر الليطاني، حيث لا يزال يقاتل ويواجه مقاومة في العديد من قرى الحافة الأمامية، رغم أنه تجاوزها للوصول الى البياضة وعيناتا ورشاف، إلا أنه يواجه هجمات وكمائن المقاومة باستمرار، ومع ذلك يدّعي أنه دمّر البنى التحتية لـ “قوة الرضوان” وأزال تهديدها للجليل، وذلك لتبرير وقف التقدّم وتجنّب التوغل عميقاً.
من الواضح انّ جيش الاحتلال يحاول صياغة “رواية نصر” تتناسب مع سقف إنجازاته الميدانية المتعثرة، بدلاً من الاعتراف بالفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى.
لكن كيف تحاول القيادة العسكرية الإسرائيلية التغطية على فشلها، وما هي الاحتمالات المتوقعة على ضوء المأزق الذي يواجه جيش الاحتلال؟
أولاً: ما وراء ادّعاء “انجاز المهمة”؟
يحاول جيش الاحتلال الالتفاف على مفهوم “السيطرة الجغرافية” الذي فشل في تحقيقه، واستبداله بمفهوم “تدمير القدرات” عبر الآتي:
1 ـ تسويق صورة النصر: الادّعاء بتدمير بنية “قوة الرضوان” يهدف لإقناع الجمهور الإسرائيلي (وخاصة سكان الشمال) بأنّ خطر الاقتحام البري للجليل قد زال، وهو الهدف الأدنى الذي يمكن تسويقه كإنجاز.
2 ـ تجنّب “الوحل” اللبناني: يدرك جيش الاحتلال أنّ الانتقال من القرى الأمامية إلى “الخط الثاني” يعني الدخول في تضاريس أكثر تعقيداً واتساعاً، مما يزيد من خطوط الإمداد ويجعلها عرضة لعمليات الالتفاف والكمائن، لذا يفضل إعلان “النهاية” عند هذا الحدّ.
3 ـ الهروب من الفشل في منع الصواريخ: بما أنّ العملية البرية فشلت في وقف إطلاق الصواريخ والمُسيّرات (التي تنطلق من عمق يتجاوز الليطاني)، فإنّ جيش العدو يروّج أنّ مهمته كانت “تطهير الحدود” فقط وليس وقف النار الشامل.
ثانياً: أبعاد الإنذار الإسرائيلي بإخلاء 41 قرى لما بعد نهر الزهراني،
إنّ توسيع دائرة الإنذارات لتشمل 41 بلدة شمال الليطاني لما بعد نهر الزهراني يحمل دلالات خطيرة أبرزها:
1 ـ سياسة “الأرض المحروقة”: يهدف الاحتلال لتهجير المدنيين لتحويل المنطقة إلى “منطقة قتل” مفتوحة، حيث يعتبر أنّ أيّ تحرك هناك هو هدف عسكري، مما يسهل عليه القصف الجوي لتعويض عجزه البري.
2 ـ الانتقام والضغط الشعبي: يمثل استهداف المدنيين سياسة إسرائيلية ممنهجة ووسيلة للضغط على بيئة المقاومة لمحاولة خلق فجوة بين الحاضنة الشعبية والمقاومين، وهو سلوك كلاسيكي يلجأ إليه عندما يعجز عن حسم المعركة مع المقاتلين وجهاً لوجه، كما هو حاصل حالياً.
3 ـ توسيع بنك الأهداف: مع مراوحة القوات البرية مكانها، يحتاج جيش العدو لـ “أهداف” جديدة يقصفها ليظهر بمظهر المستمرّ في العملية العسكرية أمام الرأي العام الداخلي… وانه لا يواجه مأزقاً واستعصاء نتيجة شدة وضراوة المقاومة.
ثالثاً: الاحتمالات المتوقعة بناء على التطورات الميدانية،
تتراوح السيناريوات المقبلة بين التصعيد العبثي أو الرضوخ للأمر الواقع:
السيناريو الأول، الاستنزاف الطويل: أن يبقى جيش الاحتلال في نقاط ثابتة في بعض قرى الحافة الأمامية التي لم يحسم سيطرته في بعضها، مما يحوّل قواته الى “بطة عرجاء” أمام الصواريخ الموجهة وكمائن المقاومين، الأمر الذي تخشاه القيادة العسكرية الإسرائيلية.
السيناريو الثاني، الانسحاب وإعلان نهاية العملية البرية، من خلال التراجع الى الخط الأزرق او نقاط قريبة منه، والادّعاء بأنّ “المهمة انتهت” بانتظار تسوية سياسية.
السيناريو الثالث، المقامرة باستمرار العملية للسيطرة على الخط الثاني من المدن والقرى جنوب الليطاني.. لكن محاولة التقدّم نحو مدن مركزية مثل بنت جبيل وصور لكسر جمود الجبهة والمراوحة في المكان، بشكل خياراً عالي المخاطر قد يؤدي الى خسائر بشرية هائلة في صفوف ألوية النخبة في جيش الاحتلال.
رابعاً: فخ الاستنزاف القاتل
انطلاقاً مما تقدّم يمكن القول انّ جيش الاحتلال الإسرائيلي يجد نفسه الآن في “جحيم فخ الاستنزاف القاتل في المكان”؛ فلا هو قادر على التقدّم وتأمين المنطقة دون دفع أثمان باهظة، ولا هو قادر على الانسحاب دون “اتفاق” يحفظ وجه ماء القيادة السياسية.
فالمقاومة، من خلال إدارتها للمعركة من الخطوط الخلفية والكمائن النوعية في البياضة والخيام بيت ليف، وغيرها، نجحت في تحويل “المناطق التي وصلت إليها قوات العدو إلى “مناطق استنزاف”، وهو بالضبط ما حذر منه الجنرالات الإسرائيليون السابقون.
لذلك فإنّ جيش الاحتلال حالياً بات يقاتل الوقت، بقدر ما يواجه مقاومة ضارية على الأرض.