Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر May 23, 2026
A A A
جنوب لبنان في مرآة القلق الإسرائيلي والانقسام بين خيارين أحلاهما مرّ…

كتب حسن حردان 

ليس خافياً على مراقبي المشهد الميداني في جنوب لبنان أنّ مفردات “الهدنة المؤقتة” أو “التهدئة الهشة” السائدة سياسياً، تتبخّر تماماً بمجرد الاقتراب من التخوم الأمامية للجبهة. فخلف ستار التصريحات المتفائلة التي تسوّقها الأوساط الحكومية في تل أبيب، تضجّ الصحافة والتعليقات الإسرائيلية بقراءة مغايرة تماماً، يسودها تخبّط استراتيجي، وتململ عسكري، وقلق متصاعد من تكرار سيناريوات الاستنزاف التاريخية.

على انّ اعترافات العسكر والمحللين في كيان الاحتلال تكشف عن حالة التخبّط والقلق من عدم تحقيق الإنجازات والغرق في مستنقع من الاستنزاف، وتحوّل الجنوب اللبناني إلى معضلة وعي وأمن مستعصية “إسرائيلياً”…

 

أولاً : فجوة الأهداف

أزمة الثقة في الميدان

في قراءة معمّقة لصحيفة “إسرائيل هيوم” ومحللي الشؤون العسكرية، يبرز شرخ واضح بين القيادة السياسية التي تطالب بالتمسك بخطوط الانتشار البري، وبين الضباط الميدانيين الذين يواجهون واقعاً مغايراً. التساؤل المتردّد اليوم على لسان قادة الألوية: “ما هي المهمة بالضبط؟” يعكس غياب رؤية سياسية حاسمة.

جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي دفع بخمس فرق عسكرية لتثبيت ما يسمّى بـ “الخط الدفاعي الأمامي” على عمق يتراوح بين 5 إلى 10 كيلومترات، يجد نفسه عالقاً في تكتيك هدم القرى وتجريف الحواف الحدودية (مثلما جرى في يارون، الخيام، والبياضة) دون القدرة على تحويل هذا الدمار إلى إنجاز استراتيجي يضمن عودة آمنة لمستوطني الشمال. هذه المراوحة يراها الخبرا: “استنزافاً مجانياً للجنود، وتورطاً في بيئة معادية بلا أفق للنصر”.

 

ثانياً: معضلة المُسيّرات

المعضلة الأكثر حضوراً في النقاشات التقنية داخل كيان العدو هي عجز المنظومات الدفاعية (بما فيها القبة الحديدية) عن إيجاد ردّ حاسم ضدّ الطائرات المُسيّرة الانقضاضية التي تعتمد عليها المقاومة بكثافة.

التقارير العسكرية الإسرائيلية تقرّ بأنّ هذه المُسيّرات البدائية الرخيصة نجحت في تحويل تجمعات الجنود الإسرائيليين ومواقعهم الخلفية المحصنة إلى أهداف مستمرة. ولعلّ لجوء القوات البرية إلى حلول ارتجالية مثل “مدّ الشباك الحديدية” فوق الآليات لحمايتها، يعكس حجم الإحباط من غياب الحلول التكنولوجية الذكية، ويؤكد أنّ السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على الأجواء بمسافات قريبة.

 

ثالثاً: معركة الوعي والصورة

وأثرها على جبهة العدو الداخلية

تتفق التحليلات الإسرائيلية على أنّ المعارك في الجنوب ليست عسكرية بحتة، بل هي “معركة وعي” بامتياز. بث المقاطع المصورة التي تظهر استهداف الدبابات أو إسقاط الأعلام الإسرائيلية في بلدات مثل “البياضة” بواسطة المسيرات، يترك أثراً بالغاً على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

هذا التآكل في صورة الردع تترجمه أرقام استطلاعات الرأي الصادمة؛ حيث تشير بيانات هيئة البث الإسرائيلية “كان” إلى أنّ 14% فقط من الشارع الإسرائيلي يثقون في قدرة القيادة على تحقيق “نصر حاسم” في لبنان. الغالبية العظمى باتت ترى في هذه الحرب مواجهة مفتوحة بلا سقف زمني وبأثمان بشرية باهظة (تجسّدت مؤخراً بمقتل ضباط احتياط وجنود في كمائن واشتباكات مباشرة).

 

رابعا: انقسام “إسرائيلي”

الهروب الى الامام أم الانكفاء

أمام هذا الاستعصاء، يقف العقل الاستراتيجي الإسرائيلي أمام خيارين أحلاهما مرّ، وهو ما تتقاسمه أروقة صنع القرار:

تيار صقور العسكر واليمين: يرى أنّ نصف الحلّ هو بمثابة هزيمة، ويطالب بـ “توسيع المناورة البرية” فوراً والتقدم نحو نهر الليطاني أو ما بعده. الحجة هنا هي أنّ إبعاد خطر القذائف والمُسيّرات يتطلب عمقاً جغرافياً أكبر، حتى لو تطلب الأمر تدميراً أوسع ومواجهة أشرس.

تيار الواقعيين والمحللين الماليين والعسكريين: يحذر من أنّ الاندفاع نحو العمق اللبناني هو وقوع في “المصيدة الوجودية” التي يتقنها حزب الله. ويرون أنّ زيادة عمق التوغل ستزيد من خطوط الإمداد المكشوفة وترفع من فاتورة الخسائر البشرية والاقتصادية، مما يجعل خيار التسوية الدبلوماسية (حتى وإنْ كان مجحفاً للتوقعات الإسرائيلية العالية) هو المخرج العقلاني الوحيد.

انطلاقا مما تقدّم، تثبت المعطيات المستقاة من القراءات الإسرائيلية أنّ جنوب لبنان لا يزال يمثل “صندوق مفاجآت” يربك حسابات تل أبيب. إنّ بقاء القوات الإسرائيلية في منطقة عازلة هشة تحت وطأة النار المستمرة والمُسيّرات التي تلاحق الضباط والجنود والياتهم وقببهم الحديدية، يحوّل الإنجازات التكتيكية المفترضة إلى أزمة استنزاف دائم. ومع اقتراب المواعيد الدبلوماسية، تبدو حكومة العدو أبعد ما تكون عن حسم المعركة، وأقرب إلى الاعتراف بأنّ الجغرافيا اللبنانية عصية على التدجين العسكري العابر في ظلّ مقاومة تعرف كيف تستفيد من الطبيعة لمنع العدو من الاستقرار والتثبيت وتحويل بقائه الى جحيم لا يُطاق…