Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر June 23, 2026
A A A
جلسة تفاوضية خامسة بين لبنان وإسرائيل.. ماذا بعد وقف إطلاق النار؟
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”

تتجه الأنظار اليوم إلى واشنطن حيث تُعقد الجلسة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في مرحلة سياسية دقيقة أعقبت وقف إطلاق النار الذي فرضته إيران من خلال مذكرة التفاهم التي أرست معادلات جديدة في المشهد الإقليمي.

 

وفي هذا السياق، لم يكن لبنان غائباً عن المسار التفاوضي الذي شهدته سويسرا، إذ أكدت طهران مراراً أن أي مفاوضات مع الجانب الأميركي لا يمكن أن تنطلق أو أن تستمر قبل وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان.

كما أن التلويح الإيراني بورقة مضيق هرمز عشية مفاوضات سويسرا احتجاجًا على عدم قيام أميركا بالضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار، عكس بوضوح حجم الاهتمام الإيراني بالملف اللبناني وارتباطه بالحسابات الإقليمية الأوسع.

 

أما المفاوضات الجارية في واشنطن، فقد شهدت حتى الآن أربع جلسات تمسك خلالها الوفد اللبناني بأولوية وقف إطلاق النار، في مقابل إصرار إسرائيل على ربط أي تقدم بمسألة نزع سلاح حزب الله وإقامة ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.

ومن المتوقع أن تركز الجلسة الخامسة على ملفات تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني في المناطق المعنية.

 

وتكتسب هذه الجلسة أهمية خاصة لكون لبنان لم يحصل على وقف إطلاق النار نتيجة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بل بفعل الضغط الإيراني على الولايات المتحدة، في وقت تصاعدت فيه الاعتداءات الإسرائيلية من حيث الوحشية والضراوة خلال فترة التفاوض، ولا سيما أثناء الجلسات المنعقدة.

ومن شأن هذا الواقع أن يمنح الوفد اللبناني هامشاً أوسع لطرح الأولويات الوطنية، وفي مقدمتها استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وإطلاق الأسرى، وتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم.

 

في المقابل، تبرز إشكالية ما عُرف بـ”اتفاق واشنطن” الذي تبلور عقب الجلسة الرابعة تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية. فقد تضمّن الاتفاق ما يشبه إطاراً سياسياً وأمنياً يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، من خلال الحديث عن انسحاب المقاومة والتزامها بوقف العمليات مقابل عدم انسحاب إسرائيل الكامل، واعتماد آلية “المناطق التجريبية” التي تمنح الجانب الإسرائيلي دوراً في تقييم أداء الدولة اللبنانية والجيش اللبناني. كما قدّم الاتفاق الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية بوصفهما شريكتين في هدف مشترك يتمثل في نزع سلاح حزب الله بغض النظر عن تداعياته الكارثية على الداخل اللبناني.

هذه المقاربة تواجه رفضاً من شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يعارضون أساساً مبدأ استمرار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ولا سيما بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار.

ويرى هؤلاء أن الأولوية يجب أن تكون لممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية على الإدارة الأميركية لإلزام إسرائيل بتنفيذ البند الأول من مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية القائم على احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه.

وبحسب هذا الرأي، فإن الطروحات على طاولة التفاوض تمنح إسرائيل حق التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، بما يشكل انتهاكاً للسيادة الوطنية ويؤسس لصورة من التطبيع غير المرحب بها عربياً وإقليمياً، خصوصاً في ضوء المتغيرات التي أعقبت اجتماعات سويسرا، وفي ظل استمرار اعتبار المبادرة العربية للسلام الصادرة عن بيروت عام 2002 السقف العربي الرسمي للتعامل مع إسرائيل.

 

في المقابل، يعتبر فريق آخر أن من حق لبنان التفاوض مباشرة دفاعاً عن مصالحه الوطنية، وبما يضمن استعادة سيادته الكاملة وتحرير أرضه.

إلا أن هذا التوجه يصطدم، وفق العديد من المراقبين، بغياب عناصر القوة السياسية والتفاوضية التي يفترض أن يستند إليها لبنان في مثل هذه المفاوضات. فالحكومة اللبنانية لم تبادر إلى إعداد ملفات متكاملة وآليات تفاوضية واضحة تتيح لها تحقيق إنجازات متدرجة ومترابطة، خصوصًا مع التصريحات الإسرائيلية الرافضة للانسحاب أو القيام بأي خطوة إيجابية تجاه لبنان.

كل ذلك يؤكد أن الجلسة الخامسة قد تمنح إسرائيل صورة سياسية جديدة يبدو نتنياهو بأمس الحاجة إليها لتسجيل مكاسب معنوية داخل المجتمع الإسرائيلي.

ويزداد ذلك أهمية بالنسبة لنتنياهو بعد الصفعة التي تلقاها نتيجة مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، التي فرضت عليه وقف إطلاق النار من دون تحقيق أي من أهداف الحرب، ما رفع منسوب الغضب الإسرائيلي تجاهه.