Beirut weather 11.88 ° C
تاريخ النشر January 14, 2026
A A A
جرس إنذار رئاسي بعد فشل حوار السلاح
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في “اللواء”

لم يأتِ كلام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن السلاح خارج الدولة من فراغ، ولا يمكن وصفه بحديث عابر أو موقف انفعالي، بل هو خلاصة مسار طويل من الحوار العقيم، ومحاولات متواصلة خلال معظم أشهر السنة الأولى من العهد لفتح ثغرة في جدار المراوحة في ملف السلاح، من دون أن يُبدي حزب الله أي استعداد جدّي للانتقال من منطق قوة الأمر الواقع إلى منطق الدولة.
الرئيس، الذي دخل قصر بعبدا على قاعدة استعادة هيبة الدولة وقرارها السيادي، منح الحوار فرصاً واسعة، وتحمَّل ضغوطاً داخلية وخارجية، وراهن على إمكان إقناع الحزب بأن التحولات الإقليمية والدولية لم تعد تسمح باستمرار السلاح خارج الشرعية. لكن النتيجة كانت واحدة: تسويف، تكرار الخطابات الرافضة، وربط مصير لبنان وإستقراره بمصالح تتجاوز حدوده وقدرته على الاحتمال.
من هنا، يمكن قراءة موقف الرئيس الأخير بوصفه إعلان نفاد صبر، لا انقلاباً سياسياً. هو تعبير صريح عن قناعة راسخة بأن السلاح الذي قيل يوماً إنه وُجد لحماية لبنان، فقد وظيفته الردعية، بل تحوّل عبئاً على حامليه قبل غيرهم، ومصدراً دائماً لعدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، وذريعة مفتوحة للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وعائقاً أمام أي مسار جدّي للإنقاذ أو إعادة الإعمار.
الأخطر أن هذا التعطيل لم يعد شأناً داخلياً فحسب. فالعواصم المعنية بالملف اللبناني، والتي واكبت انطلاقة العهد الجديد بحذر وترقُّب، لم تُخفِ استياءها من غياب التقدم في ملف حصرية السلاح، وبدأت تُحمِّل رئاسة الجمهورية مسؤولية عدم القدرة على ترجمة التعهدات إلى وقائع. وهذا ما وضع الرئيس أمام معادلة قاسية: إما الاستمرار في إدارة حوار بلا أفق، أو مصارحة اللبنانيين والعالم بالحقيقة.
رد فعل حزب الله، الذي تجسّد بحملة «تخوين» عشوائية على المنصات الإلكترونية، لا يعكس قوة موقف بقدر ما يكشف مأزقاً سياسياً عميقاً. فالتخوين سلاح العاجز عن الإقناع، والتهجُّم على رئيس الجمهورية لا يغيِّر في الوقائع، بل يزيد من عزلة صاحبه الداخلية والخارجية. أما الإجماع السياسي الواسع الذي لقيه موقف الرئيس، فيؤشر إلى أن المزاج الوطني تجاوز منذ زمن مقولة السلاح «الاستثنائي»، وبات أكثر ميلاً إلى دولة واحدة، وقرار واحد، وجيش واحد.
كلام جوزاف عون ليس استفزازاً، بل جرس إنذار أخير. ومن يختار تجاهله، يتحمَّل وحده مسؤولية ما قد يأتي بعده.