Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر March 14, 2026
A A A
جابر والبساط وسعيد إلى باريس للقاء صندوق النقد الثلاثاء: هل الآن توقيت مناسب للنقاش في الخطّة المالية؟
الكاتب: محمد وهبة

كتب محمد وهبة في الأخبار

يسافر وزيرا المال والاقتصاد وحاكم مصرف لبنان إلى العاصمة الفرنسية لعقد اجتماع مع وفد من صندوق النقد الدولي يوم الثلاثاء المقبل من أجل مناقشة مجموعة من الملفات المالية والمصرفية المتعلقة بالاتفاق المزمع عقده بين لبنان والصندوق، على رأسها مشروع إطار مالي متوسط الأمد باعتباره خطوة ضرورية للوصول إلى اتفاق على مستوى الموظفين مع الصندوق، وخطوة تمهيدية للتفاوض مع الدائنين الأجانب.

 

غير أن توقيت الزيارة، أثار الكثير من الانتقادات ربطاً بكونها تأتي في أثناء عدوان إسرائيلي يتعرّض إليه لبنان يتطلّب حضوراً واسعاً ونشاطاً حكومياً أكبر في التعامل مع أزمة النزوح والإيواء، لا سيما من قبل الوزيرين والحاكم، فضلاً عن أن استئناف الانخراط في نقاش مالي يتعلق باتفاق مع صندوق النقد الدولي يعدّ مبكراً اليوم. إذ إن أي إطار مالي يعدّ على أساس متغيّرات اقتصادية ومالية يصعب تقديرها قبل انتهاء العدوان.

 

في تموز 2025، قال وزير المال ياسين جابر إنه بدأ بإعداد الإطار المالي المتوسط الأمد للمدة 2026- 2029، وذلك في إطار سلسلة «الإصلاحات» التي بدأت بإقرار مجموعة من القوانين والخطوات المطلوبة من صندوق النقد الدولي ضمن الشروط المسبقة لأي اتفاق، مثل قانون معالجة أوضاع المصارف، والتعديلات المتعلقة بقانون السرية المصرفية، وقانون الانتظام المالي، وسواهم. والهدف من الإطار المالي، تحديد قدرة الخزينة على تسديد التزاماتها وجدولة برامج خططها الاقتصادية ضمن أولويات واضحة. وهذا يتطلب سيطرة محكمة على النفقات والإيرادات وإعادة هيكلة الدين العام في إطار يجعله مستداماً وفق مفهوم صندوق النقد الدولي، أي ألّا تتجاوز نسبته 90% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الخمس المقبلة.

 

إذاً، سيتم تقدير النموّ الاقتصادي، بناء على معطيات متغيّرة مثل ميزان المدفوعات الذي يمثّل صافي ما يدخل إلى لبنان وما يخرج منه من عملات أجنبية، بما يعنيه ذلك من تقدير لحجم التدفقات المالية الآتية من تحويلات المغتربين ومن المنظمات الدولية ومن القروض ومن عائدات التصدير، مقابل حجم استيراد السلع والخدمات… اللائحة تطول في الشرح المالي، لكن تقدير كل هذه العناصر يقدّم فكرة واضحة عن جباية الضرائب وعن أولويات الإنفاق لدى الحكومة والنتيجة الصافية بين الجانبين، لجهة أن يكون لديها عجز مالي أو فائض.

 

يعدّ الإطار المالي المتوسط الأمد بناء على عدد من المتغيّرات التي يصعب تقديرها قبل انتهاء العدوان

 

في محصّلة الأمر إن الإطار المالي المتوسط الأمد هو عبارة عن خطّة تكون مبنية على وقائع شبه ثابتة تتيح إجراء التقديرات المالية. لكن في ظل ما يحصل في لبنان والمنطقة، فإن التقدير قد يكون محفوفاً بهوامش مرتفعة من الخطأ، وهو ما يمكن أن ينعكس مباشرة على الأرقام الواردة في الخطّة. فهل ستتمكن الحكومة من تقدير نفقاتها على المجتمع إذا لم تتضح نهاية الحرب بعد؟ هل ستتمكن من تقدير حجم الإيرادات إذا لم تتضح نهاية الحرب؟ كيف سيكون النموّ؟ أي مستوى للتضخّم؟ ما مصير السيولة التي لدى الحكومة حالياً وأولويات الإنفاق؟ ثمة الكثير من الاستحقاقات والمتغيرات التي تجعل من مهمة التقدير أمراً في غاية الصعوبة. لذا، فإن الإطار المالي الذي سيناقشه الوزراء سيكون هشّاً للغاية وغير موثوق. وهذا ما يثير أسئلة واضحة تجاه مناقشة هذه المسألة الآن مع صندوق النقد الدولي، ألم يكن ممكناً مناقشة الخطوط العامة لهذا الإطار عن بُعد على أحد التطبيقات، أم أن الوزراء لا يجيدون النقاش إلا وجاهياً؟

 

في الواقع، يبرّر الوزراء رغبتهم في الذهاب إلى الاجتماع، بأنه ما دام لا يؤثّر الاجتماع الباريسي على عملهم في لبنان في مسائل النزوح ومتابعة الأسعار وسواها، فإنه لا داعي للهلع. عبارة سمعناها كثيراً في السنوات الماضية، وكانت سبباً رئيسياً يدعو للهلع. أصلاً لم يسجّل في تاريخ هذه الحكومة أي نقاش فعلي في الاقتصاد ضمن ورقة منظمة ومنهجية واضحة. حتى أن بعض الجلسات التي خصّصت لنقاش الأوضاع المالية، أتى إليها الوزراء فارغي اليدين لأن الأمانة العامة لمجلس الوزراء لم تستلم من وزارة المال أي ملفات أو اقتراحات أو سيناريوهات للدرس والنقاش. أما الذهاب إلى صندوق النقد فارغي اليدين، فهو لا يمكن أن يكون مطمئناً، إلا إذا كان المقصود الحصول على التعليمات. بالمناسبة يمكن الحصول على هذه التعليمات عبر البريد الإلكتروني أو رسالة نصية أو بالواتسآب.

 

ما يثير الاستغراب، هو أن الأجوبة التي وصلت على أسئلة «الأخبار» بشأن هذه الزيارة، تشير بوضوح إلى أن الوفد اللبناني لديه أسئلة أكثر مما لديه مسودة مشروع. فالمسودة التي أعدّت في المدة الماضية ما عادت كافية لتغطية الواقع المستجد. أولويات الإنفاق يفترض أن تتغيّر ربطاً بحاجات التغطية المباشرة لتداعيات الحرب والتغطية اللاحقة لما بعد انتهائها، والقدرة على التحصيل باتت شبه متوقفة الآن ولن يكون تعافيها سهلاً في اقتصاد تعرّض إلى ضرر هائل على مدى السنوات الستّ الماضية. إذ إن تداعيات العدوان الحالي على لبنان ليست سوى طبقة جديدة من الأزمات التي انفجرت في النصف الثاني من 2019.

 

فعلى أي محفّزات للنموّ سيعوّل اقتصاد لبنان مستقبلاً؟ على السيّاح الخليجيين الذين تمرّ بلادهم اليوم بحال حرب تداعياتها ستكون قاسية جداً؟ على قطاع الخدمات والمصارف المفلسة غير القادرة على لملمة شتات نفسها لحصد إيرادات تغطّي النفقات التشغيلية؟ ألا ترفض المصارف بشكل قاطع تسديد ولو حصّة صغيرة من الودائع وفق الخطّة الأخيرة؟ هل سيعوّل الاقتصاد على تحويلات المغتربين التي يأتي قسم كبير منها من دول الخليج؟ أصلاً، قبل هذه الحرب، بدأت هذه التحويلات تتراجع. هل ستعوّل الحكومة على مصرف لبنان الذي بدأ يعاني من نقص في قدرته على جمع الدولارات واضطراره لضخّ السيولة بالليرة، ما يهدّد فعلياً ثبات سعر الصرف الاصطناعي والهشّ؟

 

هل تقدر المؤسّسات في القطاع الخاص على تسديد ضرائبها كاملة هذه السنة؟ ما حجم الخسائر الماديّة المباشرة من العدوان الإسرائيلي هذه المرّة؟ هذه الأسئلة، وغيرها يجب أن تناقشها الحكومة، قبل أي نقاش مع صندوق النقد الدولي يليه نقاش مع الدائنين الأجانب. إذا ذهب الوفد اللبناني من دون أجوبة، فسيعود بمزيد من الأسئلة. وغياب الأجوبة، من باب سياسي، يعني المزيد من التعليمات المغلّفة بالشكل التقني – المالي.