Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر July 21, 2026
A A A
توازنات الإقليم وحسابات الشرع اللبنانية
الكاتب: عماد مرمل

كتب عماد مرمل في الجمهورية 

بين الحين والآخر، يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تكرار لازمة التلويح باحتمال أن يطلب من الرئيس احمد الشرع التدخّل العسكري في لبنان لإنهاء مسألة «حزب الله»، خلافاً لكل المؤشرات التي لا تزال تتقاطع عند استبعاد هذا السيناريو، بفعل توازنات الإقليم والضوابط السورية.

 

إذا كان ترامب يشعر بأنّ «مونته» على الشرع يمكن أن تصل إلى حدود تكليفه «أمر مهمّة» ضدّ «حزب الله» في لبنان، الّا انّ هذا الأمر لا يبدو بهذه السهولة والبساطة على أرض الواقع، حيث انّ الجغرافيا السياسية في الإقليم وتضاريسها المتداخلة تبدو اكثر تعقيداً مما يتهيأ لترامب الساعي دائماً إلى حرق المراحل.

 

 

 

وفي حين أبدى ترامب أخيراً ثقته في أنّ الشرع يستطيع أن يتولّى أمر «حزب الله» بطريقة مختلفة وأكثر دقة من الإسرائيليين، جازماً بالنيابة عنه انّه ستكون لديه الرغبة للقيام بذلك، وبالتالي هو يفكر في منحه الضوء الأخضر.. لا يوحي الرئيس السوري من جهته بقابليته للتنفيذ، بل أعطى علناً إشارات مضادة ومعاكسة، وأوفد وزير خارجيته إلى لبنان في زيارة طمأنة واحتواء للهواجس.

 

 

 

ويؤشر إصرار ترامب إلى تكرار هذا الموقف مرّات عدة خلال الفترة الأخيرة، إلى انّ ما يطرحه ليس مجرد واحدة من فلتات اللسان التي اشتهر بها، بل هو يعني ويعي ما يقول، من دون أن يأخذ في الاعتبار الموقف المعلن للرئيس السوري بالامتناع حتى الآن عن التجاوب مع الضغط الأميركي لجره إلى المستنقع اللبناني، بل إنّ وزير خارجيته ذهب أبعد من ذلك، والتقى أحد قطبي «الثنائي» الرئيس نبيه بري، مبدياً الاستعداد للقاء «حزب الله» أيضاً في المستقبل إذا اقتضت الضرورة.

 

 

 

ويؤكّد مواكبون للملف السوري، انّ «أمنية» ترامب غير قابلة للتحقق، على رغم من سطوته السياسية، وذلك لأسباب عدة ومركّبة، تمتزج فيها اعتبارات الشرع الداخلية بالعوامل الإقليمية الكابحة التي تفرض نفسها على دمشق. ومن بين تلك الأسباب الآتي:

 

 

 

ـ إنّ الشرع منشغل بمواجهة التحدّيات الأمنية التي تواجه نظامه خصوصاً من جانب تنظيم «داعش»، وبمعالجة الأزمات الداخلية المتنوعة التي تستحوذ على اهتمامه وتلقي بثقلها على المجتمع السوري المنهك والسلطة الناشئة التي لا تزال في طور تثبيت دعائمها، وبالتالي فإنّ هذا الواقع يحول دون امتلاك الرغبة والقدرة، أقله في الوقت الحاضر، لتوسيع الحضور والدور خارج الحدود.

 

 

 

– إنّ النظام السوري الذي لديه مشكلات مع المكونات الدرزية والكردية والعلوية والشيعية، لا مصلحة له في الاشتباك مع «حزب الله» ومن يمثل في هذا الظرف، خصوصاً انّ مواجهته ستتحول تلقائياً فتنة مذهبية، سنّية ـ شيعية، عابرة للحدود، وهو الأمر الذي تتهيبه وترفضه بعض دول المنطقة، إضافة إلى انّ الحزب في جهوزية تامة في البقاع تحسباً لكل الاحتمالات، ما يصعّب محاولة استهدافه ويرفع كلفتها.

 

 

 

– إنّ اي مواجهة سورية مع «حزب الله» لن تبقى محصورة في هذا الإطار الثنائي، بل ستتدحرج في اتجاهات اوسع، بعدما تبلّغت دمشق رسالة من بغداد بأنّ أي هجوم على لبنان ستكون له تداعيات وارتدادات على العلاقات بين الجانبين، وانّ فصائل عراقية ستتولّى إسناد «الحزب» عسكرياً، وصولاً إلى قصف دمشق نفسها إذا استدعت الحاجة. كذلك تلقّت دمشق رسالة من طهران، تلفت إلى مخاطر خوض مواجهة غير محسوبة مع حليفها اللبناني.

 

ـ إنّ أنقرة التي تشكّل الحاضنة الأساسية والمظلة الاستراتيجية للشرع، ليست لديها مصلحة في إسداء خدمة مجانية للإسرائيليين وتغطية أي معركة مفترضة ضدّ «حزب الله» الذي يواجه الاحتلال، بينما لا تكف تل أبيب عن شنّ الحملات على تركيا وصولاً إلى الاعتراض على عزم واشنطن تزويدها طائرات حربية، وترشيحها لأن تكون مصدر التهديد والخطر على الكيان بعد إيران، مع ما يواكب ذلك من استعدادات لمواجهة النفوذ التركي المتعاظم وفق الأوساط الإسرائيلية.

 

 

 

– إنّ خوض مواجهة عسكرية ضدّ «حزب الله» في الأراضي اللبنانية، بينما الجيش الإسرائيلي يتوغل في الأراضي السورية، لن يكون مقنعاً ومفهوماً، إذ انّ الأولوية بالنسبة إلى الشرع يجب أن تكون لتأمين انسحاب الاحتلال من الأماكن التي سيطر عليها بعد سقوط نظام بشارالاسد تحت شعار المنطقة الأمنية، قبل مهاجمة الحزب الذي يقاتل الاحتلال نفسه.

 

 

 

وتفيد المعلومات، انّ الرئيس رجب طيب أردوغان كان قد طلب من ترامب خلال لقائهما في قمة «الناتو» الأخيرة في أنقرة، الضغط على نتنياهو لسحب القوات الإسرائيلية من سوريا، لكنه لم يحصل على ردّ شافٍ في هذا السياق.

 

 

 

انطلاقاً من هذه الاعتبارات مجتمعة، يستبعد المطلعون أن ينزلق الشرع إلى الرمال اللبنانية المتحركة، على رغم من تحريض ترامب لدفعه اليها، على قاعدة أنّ من يأكل العصي ليس كمن يعدّها من الولايات المتحدة.