Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر March 10, 2026
A A A
تمديد ولاية المجلس النيابي لسنتين.. “كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

تنفّس النواب اللبنانيون الصعداء. لا لأن الأزمة الاقتصادية قد حُلّت، ولا لأن الكهرباء عادت، ولا لأن العدوان الاسرائيلي توقف، ولا لأن المواطن استعاد شيئاً من كرامته المعيشية، بل لأنهم نجحوا في إنقاذ أنفسهم من أخطر استحقاق يهددهم: “الانتخابات النيابية”.

بجرّة تصويت واحدة، قرر المجلس النيابي تمديد ولايته سنتين إضافيتين، وكأن الديمقراطية عقد إيجار يمكن تمديده تلقائياً إذا لم يكن المستأجر جاهزاً للمغادرة.

الجلسة مرّت بسلاسة لافتة، أقرب إلى تمرين يوغا سياسي جماعي: 124 نائباً حضروا، 76 وافقوا، 44 عارضوا، و4 امتنعوا، لكن الجميع ساهموا في الإنجاز العظيم: تأمين النصاب لتمديد الولاية.

هنا تتحول المعارضة إلى شريك صامت، والاعتراض إلى موقف تجميلي لا يفسد للتمديد قضية، فالخلاف لم يكن على المبدأ، بل على التفاصيل التقنية: هل نؤجل الديمقراطية ستة أشهر أم سنة أم سنتين؟ تماماً كمن يختلف على مدة الإجازة بينما العمل متوقف أساساً.

وعلى قاعدة: “يتمنّعن وهنّ راغبات” كان المشهد الأجمل بعد التصويت، حين خرج النواب ينعون الديمقراطية بوجوه حزينة وقلوب مطمئنة.

فجأة تحوّل كل من صوّت أو حضر إلى مدافع شرس عن حق الشعب في الاختيار، مع تأكيد جماعي أن الوكالة الشعبية لا تسمح بالتمديد… لكن “الظروف” أقوى من الدستور. والظروف في لبنان كائن أسطوري، يظهر كلما اقترب موعد المحاسبة الشعبية، ثم يختفي فور انتهاء الحاجة إليه.

قبل التمديد بأسابيع، كانت التصريحات النارية تملأ الشاشات: الانتخابات في موعدها، الاستحقاق مقدس، والديمقراطية خط أحمر. المرشحون جهّزوا ماكيناتهم، والمكاتب الانتخابية استيقظت من سباتها، والخطط وُضعت بعناية… ثم اكتشف الجميع أن كل ذلك لم يكن سوى تمرين إحماء طويل لسباق لن يُقام أصلاً، وأن ما يجري كان مجرد عملية شراء وقت متقنة، وجاءت الحرب “شحمة على فطيرة”، لتقدم المبرر المثالي.

أما الأسباب الحقيقية، فهي قصة أخرى، فمعظم القوى السياسية دخلت مرحلة القلق الوجودي، بعض الأحزاب يخشى دفع ثمن شعارات لم تتحقق وتبادل أدوار بين السلطة والمعارضة، وأخرى ما تزال تعيد ترميم قواعدها الشعبية، وثالثة تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية، فيما نواب التغيير اكتشفوا أن الثورة أصعب بكثير داخل البرلمان منها في الساحات، والنواب المستقلون اكتشفوا بدورهم أن الاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة وجود وزن انتخابي.

هكذا التقت المصالح المتناقضة على هدف واحد: تأجيل الامتحان الشعبي، فلا أحد جاهز للانتخابات، لكن الجميع جاهزون للحديث عن الديمقراطية. فالنائب اللبناني يشبه الطالب الذي يطالب بتأجيل الامتحان حفاظاً على جودة التعليم.

المفارقة أن التمديد جاء بإجماع غير معلن. فالمعارضون حضروا، والمؤيدون صوّتوا، والممتنعون شاهدوا، والنتيجة واحدة: تمديد شرعي بإجماع عملي، حتى لو بدا الخلاف صاخباً على الشاشات.

إنها الديمقراطية اللبنانية بنسختها المتطورة: يمكنك رفض القرار والمساهمة في تمريره في الوقت نفسه.

ولا شك في أن التمديد شكّل صفعة إضافية للمواطن اللبناني، الذي اكتشف مرة جديدة أن صوته الانتخابي صالح للاستخدام لمرة واحدة فقط، ثم يدخل في مرحلة الصيانة السياسية المفتوحة.

ومع ذلك، يمكن القول إن للتمديد حسنة وحيدة كونه خفّف مؤقتاً من الضجيج الشعوبي والشعارات الفارغة والزجل السياسي الذي تحوّل في الأشهر الأخيرة إلى منافسة شعرية أكثر منه عملاً تشريعياً.

في النهاية، لم يمدّد النواب لأنفسهم فقط، بل مدّدوا أيضاً عمر الأزمة السياسية اللبنانية، وأكدوا مجدداً أن المشكلة في لبنان ليست في غياب الديمقراطية، بل في قدرتها العجيبة على التأقلم مع كل ما يناقضها.

هكذا تستمر الحياة السياسية اللبنانية، شعب ينتظر التغيير وممارسة حقه الديمقراطي بفارغ صبر، ونواب يمتهنون التمثيل والبهلوانيات واللعب على الكلام والبكاء على الأطلال، واستحضار دموع التماسيح، لتصح فيهم الآية الكريمة “كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”.